قبل أن لا ينفع أوه. وقيل : هو الذي يتأوّه من الذنوب. وقال عقبة بن عامر : الأوّاه الكثير الذكر لله تعالى. وعن سعيد بن جبير قال : الأوّاه المسيح. وروي عنه : الأوّاه : المعلم للخير. وقال النخعي : هو الفقيه. وقال عطاء : هو الراجع عن كل ما يكره الله. وقال أيضا : هو الخائف من النار. وقال أبو عبيدة : هو المتأوّه شفقا وفرقا المتضرع يقينا. يريد أن يكون تضرّعه على يقين الإجابة ولزوم الطاعة. قال الزجاج : قد انتظم في قول أبي عبيدة أكثر ما قيل في الأوّاه. وأصله من التأوّه وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء ، والفعل منه أوّه وتأوّه ، والحليم الصفوح عمن سبه أو ناله بالمكروه ، كما قال لأبيه عند وعيده ، وقوله : (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) [مريم : ٤٦ ـ ٤٧] ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : الحليم السيّد.
(وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥))
. قوله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ) [الآية] ، معناه : ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر وباستغفاركم للمشركين ، (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ) ، يريد حتى يتقدم إليكم بالنهي ، فإذا بيّن ولم تأخذوا به فعند (١) ذلك تستحقّون الضلال. وقال مجاهد : بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة ، فافعلوا وذروا. وقال الضحاك : ما كان الله ليعذّب قوما حتى يبيّن لهم ما يأتون وما يذرون.
[١١٣٢] وقال مقاتل والكلبي : هذا في المنسوخ وذلك أن قوما قدموا على النبيّ صلىاللهعليهوسلم فأسلموا ولم تكن الخمر حراما ولا القبلة مصروفة إلى الكعبة ، فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة ، ولا علم لهم بذلك ، ثم قدموا بعد ذلك المدينة فوجدوا الخمر قد حرّمت والقبلة قد صرفت ، فقالوا : يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن ضلّال؟ فأنزل الله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ).
يعني : ما كان الله ليبطل عمل قوم قد علموا بالمنسوخ حتى يبيّن لهم الناسخ. (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، ثم عظّم [الله](٢) نفسه ، فقال :
(إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧))
(إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، يحكم بما يشاء ، (يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).
قوله عزوجل : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِ) الآية ، (تابَ اللهُ) ، أي : تجاوز وصفح. ومعنى
__________________
[١١٣٢] ـ لا أصل له. الكلبي متروك متهم ومقاتل إن كان ابن سليمان ، فهو كذاب ، وإن كان ابن حيان ، فقد روى مناكير ، وهذه الآيات من أواخر ما نزل ، وأما قصة شرب الخمر ونحوه فكان في أول الإسلام.
__________________
(١) في المخطوط «بعد».
(٢) زيادة عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
