فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقّى الناس يسألهم عن الأخبار ، فذكره صلىاللهعليهوسلم ذات يوم فقال : «ما فعل ثعلبة»؟ قالوا : يا رسول الله اتّخذ ثعلبة غنما [ما](١) يسعها واد ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة» ، فأنزل الله آية الصدقات ، فبعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم رجلا من بني سليم ورجلا من جهينة وكتب لهما أسنان الصدقة ، كيف يأخذان ، وقال لهما : «مرّا على ثعلبة بن حاطب ، ورجلا من بني سليم فخذا صدقاتهما» ، فخرجا إلى ثعلبة حتى أتياه فسألاه الصدقة وأقرءاه كتاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقال : ما هذه إلا جزية ما هذا إلّا أخت الجزية ، انطلقا حتى تفرغا الصدقة ثمّ عودا إليّ فانطلقا وسمع بهما السلمي [فنظر إلى](٢) خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأياها قالوا : ما هذه عليك؟ قال : خذاه فإن نفسي بذلك طيبة ، فمرّا على الناس فأخذا الصدقات ، ثم رجعا إلى ثعلبة ، فقال : أروني كتابكما فقرأه ، ثم قال : [ما هذه إلا جزية] ما هذا إلا أخت الجزية ، اذهبا حتى أرى رأيي ، قال : فأقبلا فلمّا رآهما رسول الله صلىاللهعليهوسلم قبل أن يكلّماه قال : «يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ، ثم دعا للسلمي (٣) بخير». فأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، فأنزل الله تعالى فيه : (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ) الآية ، إلى قوله : (وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) [التوبة : ٧٧] ، وعند رسول الله صلىاللهعليهوسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال : ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة حتى أتى النبيّ صلىاللهعليهوسلم فسأله أن يقبل منه الصدقة ، فقال : «إنّ الله عزوجل منعني أن أقبل منك صدقتك» ، فجعل يحثو التراب على رأسه ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «هذا عملك وقد أمرتك فلم تطعني» ، فلما أبى رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يقبض صدقته رجع إلى منزله. وقبض رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ثم أتى أبا بكر فقال : اقبل صدقتي ، فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأنا لا أقبلها فقبض أبو بكر ولم يقبلها. فلمّا ولي عمر أتاه : فقال : اقبل صدقتي ، فقال : لم يقبلها منك رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولا أبو بكر فأنا لا أقبلها منك ، فلم يقبلها. فلمّا ولي عثمان أتاه فلم يقبلها منها ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة : أتى ثعلبة مجلسا من الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حقّ حقّه وتصدّقت منه فوصلت الرحم وأحسنت إلى القرابة ، فمات ابن عم له فورث منه مالا فلم يف بما قال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
وقال الحسن ومجاهد : نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وهما من بني عمرو بن عوف خرجا على ملأ قعود وقالا : والله لئن رزقنا الله مالا لنصدقنّ ، فلما رزقهما الله عزوجل بخلا به ، فقوله عزوجل : (وَمِنْهُمْ) ، يعني : المنافقين ، (مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَ) ولنؤدّينّ حقّ الله منه ، (وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) ، نعمل بعمل أهل الصلاح فيه من صلة الرحم والنفقة في الخير.
(فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦))
(فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ
__________________
(١) أخرجه الطبري ١٧٠٠١ عن ابن عباس به وإسناده ضعيف جدا ، فيه عطية بن سعد العوفي ضعيف ، ليس بشيء ، وعنه مجاهيل.
__________________
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) زيادة عن المخطوط.
(٣) في المطبوع «للمسلمين» والمثبت عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
