تنكبه وهو يقول : إنّما كنا نخوض ونلعب ، ورسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول له : «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» ما يلتفت إليه ولا يزيده عليه. قوله : (قُلْ) ، أي : قل يا محمد للمنافقين ، (أَبِاللهِ وَآياتِهِ) ، كتابه ، (وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ).
(لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) ، فإن قيل كيف قال : أكفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين؟ قيل : معناه أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان ، (إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ) ، أي : نتب على طائفة منكم ، وأراد بالطائفة واحدا ، (نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) ، بالاستهزاء ، وقرأ عاصم : (نَعْفُ) بالنون وفتحها وضم الفاء ، (نُعَذِّبْ) بالنون وكسر الذال ، (طائِفَةٍ) نصب. وقرأ الآخرون : (يَعْفُ) بالياء وضمّها وفتح الفاء ، (تُعَذِّبَ) بالتاء وفتح الذال ، (طائِفَةٍ) رفع على غير تسمية الفاعل.
وقال محمد بن إسحاق : الذي عفي عنه [إنما هو](١) رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي ، يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض ، وكان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ما يسمع ، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه ، وقال : اللهمّ إني لا أزال أسمع آية تقرأ أعني (٢) بها تقشعر الجلود منها وتجبّ منها القلوب ، اللهمّ اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت ، فأصيب يوم اليمامة ، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره.
قوله تعالى : (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) ، أي : هم على دين واحد. وقيل : أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق. (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ) ، بالشرك والمعصية ، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) ، أي : عن الإيمان والطاعة ، (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) ، أي : يمسكونها عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله ولا يبسطونها بخير ، (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ) ، تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في الآخرة (٣) وتركهم في عذابه ، (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ).
(وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩))
(وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ) ، كافيهم جزاء على كفرهم ، (وَلَعَنَهُمُ اللهُ) ، أبعدهم الله من رحمته ، (وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) ، دائم.
(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، أي : فعلتم كفعل الذين من قبلكم بالعدول عن (٤) أمر الله ، فلعنتم كما لعنوا (كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) ، بطشا ومنعة ، (وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) ، فتمتعوا أو انتفعوا بخلاقهم بنصيبهم من الدنيا باتّباع الشهوات ورضوا به عوضا عن الآخرة ، (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ) ،
__________________
وكونه ابن سلول باطل ، فإن ابن سلول كان رأس المنافقين ، وكان يمتنع بقومه.
__________________
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) في المطبوع «عني» والمثبت عن المخطوط.
(٣) في المخطوط «العقبى».
(٤) في المطبوع «عن».
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
