أيّها الكفار والمنافقون ، (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ) ، وسلكتم سبيلهم ، (وَخُضْتُمْ) في الباطل والكذب على الله تعالى وتكذيب رسله وبالاستهزاء بالمؤمنين ، (كَالَّذِي خاضُوا) ، أي : كما خاضوا. وقيل : كالذي يعني كالذين خاضوا ، وذلك أن الذي اسم ناقص ، مثل (ما ومن) يعبّر به عن الواحد والجمع ؛ نظيره قوله تعالى : (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) [البقرة : ١٧] ، ثم قال : (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة : ١٧] ، (أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) ، أي : كما حبطت أعمالهم وخسروا كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم.
[١٠٩٠] أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا محمد بن عبد العزيز ثنا أبو عمر الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا حجر ضبّ تبعتموهم» (١) ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال : «فمن»؟ وفي رواية أبي هريرة : «فهل الناس إلّا هم».
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا تتّبعون عملهم حذو القذّة بالقذّة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا.
(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢))
قوله تعالى : (أَلَمْ يَأْتِهِمْ) ، يعني المنافقين ، (نَبَأُ) ، خبر ، (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، حين عصوا رسلنا وخالفوا أمرنا كيف عذبناهم وأهلكناهم ثم ذكرهم ، فقال : (قَوْمِ نُوحٍ) ، أهلكوا بالطّوفان ، (وَعادٍ) ، أهلكوا بالريح ، (وَثَمُودَ) بالرجفة ، (وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ) ، بسلب النعمة وهلاك نمرود ، (وَأَصْحابِ مَدْيَنَ) ، يعني : قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة ، (وَالْمُؤْتَفِكاتِ) ، المنقلبات التي جعلنا عاليها سافلها وهم قوم لوط وقراهم ، (أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) ، فكذّبوهم وعصوهم كما فعلتم يا معشر الكفار فاحذروا تعجيل النقمة ، (فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
قوله تعالى : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) ، في الدّين واجتماع (٢) الكلمة والعون
__________________
[١٠٩٠] ـ إسناده صحيح على شرط البخاري.
أبو عمر هو حفص بن ميسرة.
وهو في «شرح السنة» ٤٠٩١ بهذا الإسناد ، وفي «صحيح البخاري» ٧٣٢٠ عن محمد بن عبد العزيز به.
وأخرجه البخاري ٣٤٥٦ ومسلم ٢٦٦٩ والطيالسي ٢١٧٨ وأحمد (٣ / ٨٤ و ٨٩) وابن حبان ٦٧٠٣ وابن أبي عاصم في «السنة» ٧٤ من طرق عن زيد بن أسلم به.
__________________
(١) في المطبوع «لاتبعتموهم» والمثبت عن «صحيح البخاري» والمخطوط.
(٢) في المخطوط «اتفاق».
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
