وثقالا أهل العسرة. وقيل : خفافا من السلاح ، أي : مقلّين منه ، وثقالا أي : مستكثرين منه. وقال الحكم بن عتيبة : مشاغيل وغير مشاغيل. وقال مرّة الهمداني : أصحاء ومرضى. وقال يمان بن رباب عزابا ومتأهلين. وقيل : خفافا من حاشيتكم وأتباعكم ، وثقالا مستكثرين بهم. وقيل : خفافا مسرعين خارجين ساعة سماع النفير ، وثقالا بعد التروّي فيه والاستعداد له ، (وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، قال الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه ، فقيل له : إنك عليل (١) صاحب ضرر (٢) ، فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس : نسخت هذه الآية بقوله : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة : ١٢٢] ، وقال السدي : لما نزلت هذه الآية اشتدّ شأنها على الناس فنسخها الله تعالى وأنزل : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى) [التوبة : ٩١] الآية ، ثم نزل في المنافقين الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك :
(لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥))
(لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً) ، واسم كان مضمر ، أي : لو كان ما تدعوهم إليه عرضا قريبا ، أي : غنيمة قريبة المتناول ، (وَسَفَراً قاصِداً) ، أي قريبا هينا ، (لَاتَّبَعُوكَ) ، لخرجوا معك ، (وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) ، أي : المسافة ، والشقة السفر البعيد لأنه يشق على الإنسان. وقيل : الشقة الغاية التي يقصدونها ، (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) ، يعني : باليمين الكاذبة ، (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) ، في أيمانهم لأنهم كانوا مستطيعين.
(عَفَا اللهُ عَنْكَ) ، قال عمرو بن ميمون : اثنان فعلهما رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولم يؤمر بهما : إذنه للمنافقين وأخذه الفدية من أسارى بدر ، فعاتبه الله كما تسمعون. قال سفيان بن عيينة : انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل أن يعيّره بالذنب. وقيل : إنّ الله عزوجل وقّره ورفع محله بافتتاح الكلام بالدعاء له ، كما يقول الرجل لمن يخاطبه إذا كان كريما عنده : عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي ، ورضي الله عنك ألا زرتني. وقيل معناه : أدام الله لك العفو. (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) ، أي : في التخلّف عنك (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) ، في أعذارهم ، (وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) فيها ، أي : تعلم من لا عذر له. قال ابن عباس رضي الله عنه : لم يكن رسول الله صلىاللهعليهوسلم يعرف المنافقين يومئذ.
(لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ، أي : لا يستأذنك في التخلّف ، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).
__________________
(١) في المطبوع «على» والمثبت عن المخطوط.
(٢) في المطبوع «ضر» والمثبت عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
