(إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ) ، أي : شكّت [قلوبهم](١) ونافقت ، (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) ، يتحيّرون.
(وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨))
(وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ) ، إلى الغزو ، (لَأَعَدُّوا لَهُ) ، أي : ليهيّئوا له (عُدَّةً) ، أهبة وقوّة من السلاح والكراع ، (وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ) ، خروجهم ، (فَثَبَّطَهُمْ) ، منعهم وحبسهم عن الخروج ، (وَقِيلَ اقْعُدُوا) في بيوتكم ، (مَعَ الْقاعِدِينَ) ، يعني : مع المرضى والزّمنى. وقيل : مع النساء (٢) والصبيان. قوله عزوجل : (وَقِيلَ) ، أي : قال بعضهم لبعض : اقعدوا. وقيل : أوحي إلى قلوبهم وألهموا أسباب الخذلان.
(لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ) ، وذلك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أمرهم بالجهاد لغزوة تبوك فضرب رسول الله صلىاللهعليهوسلم عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبيّ على [ذي](٣) جدّة أسفل من ثنية الوداع ، ولم يكن بأقل العسكرين ، فلما سار رسول الله صلىاللهعليهوسلم تخلّف عند عبد الله بن أبيّ فيمن تخلف من المنافقين وأهل الرّيب ، فأنزل الله تعالى يعزّي نبيّه صلىاللهعليهوسلم [بقوله](٤) : (لَوْ خَرَجُوا) ، يعني المنافقون (فِيكُمْ) ، أي : معكم ، (ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالاً) ، أي : فسادا وشرّا. ومعنى الفساد : إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر ، (وَلَأَوْضَعُوا) ، أسرعوا (٥) ، (خِلالَكُمْ) ، في وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بالنميمة ونقل الحديث من البعض إلى البعض. وقيل : (وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ) ، أي : أسرعوا فيما يخلّ بكم. (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) ، أي : يطلبون لكم ما تفتنون به ، يقولون : لقد جمع لكم كذا وكذا وإنكم مهزومون وسيظهر عليكم عدوكم ونحو ذلك. وقال الكلبي : يبغونكم الفتنة يعني : العنت والشرّ. وقال الضحاك : الفتنة الشرك ، ويقال : بغيته الشرك والخير أبغيه بغيا إذا التمسته له ، يعني : بغيت له. (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) ، قال مجاهد : معناه وفيكم مخبرون (٦) لهم يؤدّون إليهم ما يسمعون منكم ، وهم الجواسيس. وقال قتادة : معناه وفيكم مطيعون لهم ، أي : يستمعون كلامهم ويطيعونهم ، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).
(لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ) ، أي : طلبوا صدّ أصحابك عن الدين وردّهم إلى الكفر ، وتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم ، كفعل عبد الله بن أبيّ يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه. (وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ) ، وأجالوا (٧) فيك وفي إبطال دينك الرأي بالتخذيل عنك ، وتشتيت أمرك ، (حَتَّى جاءَ الْحَقُ) ، النصر والظفر ، (وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ) ، دين الله ، (وَهُمْ كارِهُونَ).
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ
__________________
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) في المطبوع «النسوان».
(٣) زيادة عن المخطوط ومعنى «ذو جدّة» : الطريق الواضح المسلوك.
(٤) زيادة عن المخطوط.
(٥) في المخطوط «أشرعوا».
(٦) في المخطوط «عيون» وفي ط «محبون».
(٧) في المطبوع «جالوا» والمثبت عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
