سُلْطاناً مُبِيناً) أي : حجّة بيّنة ظاهرة بالقتل والقتال.
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢))
قوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً) ، الآية :
ع [٦٨٠] نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه أتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله فخرج هاربا إلى المدينة ، وتحصّن في أطم من آطامها (١) ، فجزعت لذلك أمه جزعا شديدا وقالت لابنيها (١) الحارث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه : لا والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتوني به ، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة ، فأتوا عياشا وهو في الأطم ، قالا له : انزل فإنّ أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك ، وقد حلفت ألّا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى ترجع إليها ولك عهد الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا تحول بينك وبين دينك ، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعة فجلده كل واحد منهما (٢) مائة جلدة ، ثم قدموا به على أمّه فلما أتاها قالت : والله لا أحلّك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به ، ثم تركوه موثقا مطروحا في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه (٣) الحارث بن زيد فقال : يا عياش أهذا الذي كنت عليه فو الله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها ، فغضب عياش من مقالته ، وقال : والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك ، ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث فقتله ، فقال الناس : ويحك أي شيء قد صنعت؟ إنه قد أسلم ، فرجع عياش إلى (٤) رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقال : يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت ، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته ، فنزل : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً).
وهذا نهي عن قتل المؤمن كقوله تعالى : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ) [الأحزاب : ٥٣] ، (إِلَّا خَطَأً) ، استثناء منقطع معناه : لكن إن وقع خطأ ، (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي : فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة ، (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ) ، كاملة ، (إِلى أَهْلِهِ) أي : إلى أهل القتيل الذين
__________________
ع [٦٨٠] ـ ذكره الواحدي في «أسباب النزول» بإثر (٣٤٣) عن الكلبي بدون إسناد.
وورد بمعناه أخرجه الطبري ١٠٠٩٨ عن السدي مرسلا و ١٠٠٩٧ عن عكرمة مرسلا و ١٠٠٩٥ و ١٠٠٩٦ ، عن مجاهد مرسلا.
ـ وورد مختصرا عند الواحدي في «أسباب النزول» (٣٤٣) والبيهقي ٨ / ٧٢ عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، وهذا مرسل ، ولعل هذه الروايات تتأيد بمجموعها ، والله أعلم.
(١) الأطم : الحصن. كما في «الصحاح».
__________________
(١) في المطبوع «لابنها».
(٢) في المطبوع «منهم».
(٣) في المطبوع «فأتاهم».
(٤) في المطبوع «لرسول».
![تفسير البغوي [ ج ١ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3894_tafsir-albaghawi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
