أنها تفرق بين السورتين في زمن النزول. ويتبين مدى فعل القرآن الكريم ، وأثر التربية النبوية الرشيدة لهذه الجماعة التي سعدت بالنشوء والنمو في ظلال القرآن ، وفي رعاية النبوة. فكانت ما كانت في تاريخ البشرية الطويل.
واضح في جو سورة الفتح وإيحاءاتها أننا أمام جماعة نضج إدراكها للعقيدة ، وتجانست مستوياتها الإيمانية ، واطمأنت نفوسها لتكاليف هذا الدين ؛ ولم تعد محتاجة إلى حوافز عنيفة الوقع كي تنهض بهذه التكاليف في النفس والمال ؛ بل عادت محتاجة إلى من يخفض حميتها ، وينهنه حدتها ، ويأخذ بزمامها لتستسلم للهدوء ، والمهادنة بعض الوقت ، وفق حكمة القيادة العليا للدعوة.
لم تعد الجماعة المسلمة تواجه بمثل قوله تعالى : (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) .. ولا بمثل قوله تعالى : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ).
ولم تعد في حاجة إلى حوافز قوية للجهاد بالحديث عن الشهداء وما أعد الله لهم عنده من الكرامة ؛ ولا بيان حكمة الابتلاء بالقتال ومشقاته كما في سورة محمد إذ يقول الله تعالى : (ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ، وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ).
إنما صار الحديث عن السكينة التي أنزلها الله في قلوب المؤمنين ، أو أنزلها عليهم. والمقصود بها تهدئة فورتهم ، وتخفيض حميتهم ، واطمئنان قلوبهم لحكم الله وحكمة رسوله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في المهادنة والملاينة ، وعن رضى الله عن المبايعين تحت الشجرة. وكانت هذه الصورة الوضيئة في نهاية السورة للرسول ومن معه.
أما الحديث عن الوفاء بالبيعة والنكث فيها في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ، يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) .. فالإيحاء فيه أكثر إلى تكريم المبايعين وتعظيم شأن البيعة. والإشارة إلى النكث جاءت بمناسبة الحديث عن الأعراب المتخلفين ، وكذلك الإشارة إلى المنافقين والمنافقات فهي إشارة عابرة ، تدل على ضعف موقف هذه الطائفة ، وعلى خلوص الجماعة المسلمة بالمدينة ونضوجها وتجانسها. وهي على كل حال إشارة عابرة لا تشغل من السورة شيئا مما شغله الحديث عن المنافقين في سورة محمد ، حيث كان للمنافقين شأنهم هم وحلفاؤهم اليهود. وهذا تطور آخر في موقف الجماعة المسلمة من ناحية موقفها الخارجي يساير ذلك التطور الذي تم في نفوسها من الداخل وواضح كذلك قوة المسلمين بالقياس إلى قوة المشركين في جو السورة كلها وفي آيات بنصها ؛ والإشارات إلى الفتوح المقبلة ، وإلى رغبة المخلفين في الغنائم السهلة واعتذارهم ، وإلى ظهور هذا الدين على الدين كله .. كلها تشي بما بلغت إليه قوة المسلمين في هذه الفترة بين نزول السورتين.
ففي حقيقة النفوس ، وفي حال الجماعة ، وفي الظروف المحيطة بها ، حدث تطور واضح ، يدركه من يتلمس خط السيرة في النصوص القرآنية. ولهذا التطور قيمته كما أن له دلالته على أثر المنهج القرآني والتربية المحمدية ، لهذه الجماعة السعيدة الفريدة في التاريخ. ثم إن لهذا التطور إيحاءه للقائمين على الجماعات البشرية. فلا تضيق صدورهم بالنقص فيها والضعف ورواسب الماضي ومخلفاته ، وآثار البيئة والوسط ، وجواذب الأرض ، وثقلة اللحم والدم .. وكلها تبدو في أول العهد قوية عميقة عنيفة. ولكنها مع المثابرة والحكمة والصبر على العلاج ، تأخذ في التحسن والتطور. والتجارب والابتلاءات تعين على التحسن والتطور ، حين تتخذ فرصة
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
