للتربية والتوجيه. وشيئا فشيئا تخف ثقلة الطين ، وتشف كثافة اللحم والدم ، وتتوارى آثار البيئة ، وتصفو رواسب الماضي ، وتستشرف القلوب آفاقا أعلى فأعلى ، حتى ترى النور هناك على الأفق الوضيء البعيد. ولنا في رسول الله أسوة حسنة ، ولنا في المنهج القرآني صراط مستقيم.
* * *
(إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ، وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً) ..
تفتتح السورة بهذا الفيض الإلهي على رسوله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : فتح مبين. ومغفرة شاملة. ونعمة تامة. وهداية ثابتة. ونصر عزيز .. إنها جزاء الطمأنينة التامة لإلهام الله وتوجيهه. والاستسلام الراضي لإيحائه وإشارته. والتجرد المطلق من كل إرادة ذاتية. والثقة العميقة بالرعاية الحانية .. يرى الرؤيا فيتحرك بوحيها. وتبرك الناقة ، ويتصايح الناس : خلأت القصواء. فيقول. «ما خلأت. وما هو لها بخلق. ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسئلونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» .. ويسأله عمر بن الخطاب في حمية : فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فيجيبه : «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني» .. ذلك وحين يشاع أن عثمان قتل يقول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «لا نبرح حتى نناجز القوم» .. ويدعو الناس إلى البيعة ، فتكون بيعة الرضوان التي فاض منها الخير على الذين فازوا بها وسعدوا.
وكان هذا هو الفتح ؛ إلى جانب الفتح الآخر الذي تمثل في صلح الحديبية ، وما أعقبه من فتوح شتى في صور متعددة :
كان فتحا في الدعوة. يقول الزهري : فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه. إنما كان القتال حيث التقى الناس. فلما كانت الهدنة ، ووضعت الحرب ، وأمن الناس بعضهم بعضا ، والتقوا ، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، ولم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه. ولقد دخل في تينك السنتين (بين صلح الحديبية وفتح مكة) مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
قال ابن هشام : والدليل على قول الزهري أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبد الله. ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف.
وكان ممن أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
وكان فتحا في الأرض. فقد أمن المسلمون شر قريش ، فاتجه رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى تخليص الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي ـ بعد التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ـ وكان هذا الخطر يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام. وقد فتحها الله على المسلمين ، وغنموا منها غنائم ضخمة ، جعلها الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فيمن حضر الحديبية دون سواهم.
وكان فتحا في الموقف بين المسلمين في المدينة وقريش في مكة وسائر المشركين حولها. يقول الأستاذ محمد عزة دروزة بحق في كتابه : «سيرة الرسول. صور مقتبسة من القرآن الكريم» :
«ولا ريب في أن هذا الصلح الذي سماه القرآن بالفتح العظيم يستحق هذا الوصف كل الاستحقاق. بل إنه ليصح أن يعد من الأحداث الحاسمة العظمى في السيرة النبوية ، وفي تاريخ الإسلام وقوته وتوطده ، أو بالأحرى من أعظمها. فقد اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما ، واعتبرت النبي والمسلمين أندادا لها ، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن ، في حين أنها غزت المدينة في سنتين مرتين ، وكانت الغزوة الأخيرة
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
