الله جل جلاله على هذه المجموعة المختارة من البشر. يتجلى عليهم برضوانه وبشرياته وامتنانه وتثبيته. ويبلغهم بأشخاصهم وأعيانهم أنه عنهم راض ، وأنه كان حاضرهم وهم يبايعون في مكان بعينه : (تَحْتَ الشَّجَرَةِ) وأنه اطلع على ما في نفوسهم. وأنه رضيهم ورضي عنهم ، وأنه كتب لهم النصر في المستقبل والغنائم والفتوح ، وربط هذا كله بناموس الوجود وسنة الوجود. وهو أمر يقف له الوجود كله يشهد ويرقب ويتأثر ويسجل في أطوائه ذلك الحادث العظيم الفريد : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً. وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ، فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ ، وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ، وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً. وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً) ..
ويمتن عليهم بأخذ عدوهم النفر الذين أرادوا بهم الأذى ؛ ويندد بأعدائهم الذين صدوهم عن المسجد الحرام ، وصدوا الهدي أن يبلغ محله ، ويتلطف معهم فيكشف لهم عن حكمته في كفهم هذا العام عنهم ؛ وفضله في ترضيتهم بما كان ، وإنزال سكينته في قلوبهم ، لأمر يراه ، وهو أعظم مما يرون. وهو فتح مكة ثم هيمنة هذا الدين على الدين كله بأمر الله وتدبيره : (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ، أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ، لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً. إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى ، وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها ، وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً. لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ. فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) ..
وتختم السورة بالصفة الكريمة الوضيئة التي تميز هذه المجموعة المختارة من البشر ، وتفردها بسمتها الخاصة ، وتنوه بها في الكتب السابقة : التوراة والإنجيل. وبوعد الله الكريم بالمغفرة والأجر العظيم : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً ، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ. وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ ، فَاسْتَغْلَظَ ، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ، لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) ..
وهكذا تصبح نصوص السورة مفهومة واضحة ، تعيش في جوها الذي نزلت فيه ، وتصوره أقوى تصوير ، بأسلوب القرآن الخاص الذي لا يفصل الحوادث بترتيبها وتسلسلها ؛ ولكنه يأخذ منها لمحات توجيهية وتربوية ؛ ويربط الحادثة المفردة بالقاعدة الشاملة. والموقف الخاص بالأصل الكوني العام. ويخاطب النفوس والقلوب بطريقته الفذة ومنهجه الفريد.
* * *
ومن سياق السورة وجوها ، وبالموازنة بينها وبين إيحاءات سورة محمد التي قبلها في ترتيب المصحف ؛ يتبين مدى ما طرأ على الجماعة المسلمة في موقفها كله من تغيرات عميقة ، في مدى السنوات الثلاث ، التي نرجح
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
