والحاصب : الريح تحمل الحجارة. وفي مواضع أخرى ورد أنه أرسل إليهم حجارة من طين ولفظة الحاصب ذات جرس كأنه وقع الحجارة ، وفيه شدة وعنف تناسب جو المشهد. ولم ينج إلا آل لوط ـ إلا امرأته ـ نعمة من عند الله جزاء إيمانهم وشكرهم .. (كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ). فننجيه وننعم عليه في وسط المهالك والمخاوف.
والآن وقد عرض القصة من طرفيها : طرف التكذيب وطرف الأخذ الشديد. فإنه يعود لشيء من التفصيل فيما وقع بين الطرفين .. وهذه إحدى طرق العرض القرآنية للقصة حين يراد إبراز إيحاءات معينة من إيرادها في هذا النسق (١). هذه التفصيلات هي :
(وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ. وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ) ..
وطالما أنذر لوط قومه عاقبة المنكر الشاذ الذي كانوا يأتونه ، فتماروا بالنذر ، وشكوا فيها وارتابوا ، وتبادلوا الشك والارتياب فيما بينهم وتداولوه ، وجادلوا نبيهم فيه. وبلغ منهم الفجور والاستهتار أن يراودوه هو نفسه عن ضيفه ـ من الملائكة ـ وقد حسبوهم غلمانا صباحا فهاج سعارهم الشاذ الملوث القذر! وساوروا لوطا يريدون الاعتداء المنكر على ضيوفه ، غير محتشمين ولا مستحيين ، ولا متحرجين من انتهاك حرمة نبيهم الذي حذرهم وأنذرهم عاقبة هذا الشذوذ القذر المريض.
عندئذ تدخلت يد القدرة ، وتحرك الملائكة لأداء ما كلفوه وجاءوا من أجله : (فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ) فلم يعودوا يرون شيئا ولا أحدا ؛ ولم يعودوا يقدرون على مساورة لوط ولا الإمساك بضيفه! والإشارة إلى طمس أعينهم لا ترد إلا في هذا الموضع بهذا الوضوح. ففي موضع آخر ورد : (قالُوا : يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) .. فزاد هنا ذكر الحالة التي صارت تمنعهم من أن يصلوا إليه. وهي انطماس العيون!
وبينما السياق يجري مجرى الحكاية ، إذا به حاضر مشهود ، وإذا الخطاب يوجه إلى المعذبين : (فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ) .. فهذا هو العذاب الذي حذرتم منه ، وهذه هي النذر التي تماريتم فيها!
وكان طمس العيون في المساء .. في انتظار الصباح الذي قدره الله لأخذهم جميعا :
(وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ) ..
وهو ذلك العذاب الذي عجل بذكره في السياق. وهو الحاصب الذي طهر الأرض من تلك اللوثة ومن ذلك الفساد.
ومرة أخرى تتغير طريقة العرض ، ويستحضر المشهد كأنه اللحظة واقع. وينادى المعذبون وهم يعانون العذاب :
(فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ)!!!
ثم يجيء التعقيب المألوف ، عقب المشهد العنيف :
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)؟
* * *
وتختم هذه الحلقات بحلقة خارج الجزيرة ، ومصرع من المصارع المشهورة المذكورة. في إشارة سريعة خاطفة :
__________________
(١) يراجع فصل : «القصة في القرآن» في كتاب : «التصوير الفني في القرآن» «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
