ثم يعود السياق إلى أسلوب الحكاية. فيقص ما كان بعد ذلك منهم :
(فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ) ..
وصاحبهم هو أحد الرهط المفسدين في المدينة ، الذين قال عنهم في سورة النمل : (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) .. وهو الذي قال عنه في سورة الشمس : (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها) ..
وقيل : إنه تعاطى الخمر فسكر ليصير جريئا على الفعلة التي هو مقدم عليها. وهي عقر الناقة التي أرسلها الله آية لهم ؛ وحذرهم رسولهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم .. (فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ) وتمت الفتنة ووقع البلاء.
(فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟) ..
وهو سؤال التعجيب والتهويل. قبل ذكر ما حل من العذاب بعد النذير :
(إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) ...
ولا يفصل القرآن هذه الصيحة. وإن كانت في موضع آخر في سورة «فصلت» توصف بأنها صاعقة : (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ : أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) .. وقد تكون كلمة صاعقة وصفا للصيحة. فهي صيحة صاعقة. وقد تكون تعبيرا عن حقيقتها. فتكون الصيحة والصاعقة شيئا واحدا. وقد تكون الصيحة هي صوت الصاعقة. أو تكون الصاعقة أثرا من آثار الصيحة التي لا ندري من صاحبها.
وعلى أية حال فقد أرسلت على القوم صيحة واحدة ، ففعلت بهم ما فعلت ، مما جعلهم (كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) .. والمحتظر صانع الحظيرة. وهو يصنعها من أعواد جافة. فهم صاروا كالأعواد الجافة حين تيبس وتتحطم وتصبح هشيما. أو أن المحتظر يجمع لماشيته هشيما تأكله من الأعواد الجافة والعشب الناشف. وقد صار القوم كهذا الهشيم بعد الصيحة الواحدة!
وهو مشهد مفجع مفزع. يعرض ردا على التعالي والتكبر. فإذا المتعالون المتكبرون هشيم. وهشيم مهين. كهشيم المحتظر!
وأمام هذا المشهد العنيف المخيف ، يرد قلوبهم إلى القرآن ليتذكروا ويتدبروا. وهو ميسر للتذكر والتدبر : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟) ..
ويسدل الستار على الهشيم المهين. وفي العين منه مشهد. وفي القلب منه أثر. والقرآن يدعو من يذكر ويتفكر ...
* * *
ثم يرفع الستار عن حلقة جديدة تالية ـ بعد ذلك ـ في التاريخ ، في محيط الجزيرة العربية كذلك :
(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ. نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا. كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ. وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ. وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ. فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟) ..
وقصة قوم لوط وردت مفصلة في مواضع أخرى. والمقصود بعرضها هنا ليس هو تفصيلاتها ، إنما هي العبرة من عاقبة التكذيب ، والأخذ الأليم الشديد. من ثم تبدأ بذكر ما وقع منهم من تكذيب بالنذر : (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ) .. وعلى إثر هذه الإشارة يصف ما نزل بهم من النكال :
(إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ. نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ..)
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
