(وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ. كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ، فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) ..
وهكذا تختصر قصة فرعون وملئه في طرفيها : مجيء النذر لآل فرعون وتكذيبهم بالآيات التي جاءهم بها رسولهم. وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر. والإشارة إلى العزة والاقتدار تلقي ظلال الشدة في الأخذ ؛ وفيها تعريض بعزة فرعون واقتداره على البغي والظلم. فقد ضاعت العزة الباطلة ، وسقط الاقتدار الموهوم. وأخذه الله ـ هو وآله ـ أخذ عزيز حقا مقتدر صدقا. أخذهم أخذا شديدا يناسب ما كانوا عليه من ظلم وغشم وبطش وجبروت.
وعلى هذه الحلقة الأخيرة على مصرع فرعون الجبار. يسدل الستار ..
* * *
والآن. وقد أسدل الستار على آخر مشهد من مشاهد العذاب والنكال. والمكذبون يشهدون ؛ ويتلقى حسهم إيقاع هذه المشاهد .. الآن والمصارع المتتالية حاضرة في خيالهم ، ضاغطة على حسهم .. الآن يتوجه إليهم بالخطاب ؛ يحذرهم مصرعا كهذه المصارع. وينذرهم ما هو أدهى وأفظع :
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟ أَمْ يَقُولُونَ : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ. وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ. وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) ..
إنه الإنذار بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ؛ وإسقاط كل شبهة وكل شك في صدق هذا الإنذار وسد كل ثغرة وكل طمع في الهرب والفكاك ؛ أو المغالطة في الحساب والفرار من الجزاء!
تلك كانت مصارع المكذبين. فما يمنعكم أنتم من مثل ذلك المصير؟ (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ؟) .. وما ميزة كفاركم على أولئكم؟ (أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ) .. تشهد بها الصحائف المنزلة ، فتعفوا إذن من جرائر الكفر والتكذيب؟ لا هذه ولا تلك. فلستم خيرا من أولئكم ، وليست لكم براءة في الصحائف المنزلة ، وليس هنالك إلا لقاء المصير الذي لقيه الكفار من قبلكم في الصورة التي يقدرها الله لكم.
ثم يلتفت عن خطابهم إلى خطاب عام ، يعجب فيه من أمرهم :
(أَمْ يَقُولُونَ : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ).
وذلك حين يرون جمعهم فتعجبهم قوتهم ، ويغترون بتجمعهم ، فيقولون : إنا منتصرون لا هازم لنا ولا غالب؟
هنا يعلنها عليهم مدوية قاضية حاسمة :
(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) ..
فلا يعصمهم تجمعهم ، ولا تنصرهم قوتهم. والذي يعلنها عليهم هو القهار الجبار .. ولقد كان ذلك. كما لا بد أن يكون!
قال البخاري بإسناده إلى ابن عباس ـ : إن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال وهو في قبة له يوم بدر : «أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا». فأخذ أبو بكر رضي الله عنه
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
