«ان الايفاء بالعهود والعقود من أهم الفرائض التي فرضها الله تعالى لنظام المعيشة والعمران ، وانما الصلاة والزكاة من وسائله (١) ، والزكاة فرع منه في وجه آخر ، فان الله تعالى فرض علينا الصلاة وهو غني عن العالمين ، لنؤدب بها نفوسنا ، فنعيش في الدنيا عيشة راضية ، ونستحق بذلك عيشة الآخرة المرضية ، اذ المصلي أجدر الناس بالقيام بحقوق عباد الله الذين هم عيال الله ، بما يستولي على قلبه فيها من الشعور بسلطان الله تعالى وقدرته ، وفضله واحسانه ، وعموم هذا السلطان والاحسان له وللناس كافة.
والاخلاف من الذنوب الهادمة للنظام ، المفسدة للعمران ، المفنية للأمم ، وما فقدت أمة الوفاء الذي هو ركن الأمانة وقوام الصدق الا وحلّ بها العقاب الالهي ، ولا يعجل الله الانتقام من الأمم لذنب من الذنوب يفشو فيها ، كذنب الاخلال بالعهد والاخلاف بالوعد.
وانظر حال أمة استهانت بالايفاء بالعهود ، ولم تبال بالتزام العقود ، كيف حلّ بها عذاب الله تعالى بالاذلال وفقد الاستقلال ، وضياع الثقة بينها حتى في الاهل والعيال ، فهم يعيشون عيشة الأفراد لا عيشة الأمم : صور متحركة ، ووحوش مفترسة ، ينتظر كل واحد منهم وثبة الآخر عليه ، اذا أمكن ليده أن تصل اليه ، ولذلك يضطر كل واحد اذا عاقد أي انسان من أمته أن يستوثق منه بكل ما يقدر ، ويحترس من غدره بكل ما يمكن ، فلا تعاون ولا تناصر ، ولا تعاضد ولا تآزر ، بل استبدلوا بهذه المزايا التحاسد والتباغض ، والتعادي والتعارض (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) ، ولكنهم أذلاء للعبيد».
* * *
__________________
(١) قال الامام هذه الكلمة عند تعرضه لتفسير قوله تعالى : (وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا).
![موسوعة أخلاق القرآن [ ج ٢ ] موسوعة أخلاق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3888_mosoa-akhlaq-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
