وإن الدين عند الله هو المنهج والشرع .. ورسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ليس في شيء ممن يتخذون غير منهج الله منهجا ، وغير شريعة الله شرعا ..
الأمر هكذا جملة. وللنظرة الأولى. بدون دخول في التفصيلات!
وأمر هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعا ، وبرئ منهم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بحكم من الله تعالى .. أمرهم بعد ذلك إلى الله ؛ وهو محاسبهم على ما كانوا يفعلون :
(إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) ..
وبمناسبة الحساب والجزاء قرر الله سبحانه ما كتبه على نفسه من الرحمة في حساب عباده. فجعل لمن جاء بالحسنة وهو مؤمن ـ فليس مع الكفر من حسنة! ـ فله عشر أمثالها. ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ؛ لا يظلم ربك أحدا ولا يبخسه حقه :
(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها. وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) ..
* * *
وفي ختام السورة ـ وختام الحديث الطويل عن قضية التشريع والحاكمية ـ تجيء التسبيحة الندية الرخية ، في إيقاع حبيب إلى النفس قريب ؛ وفي تقرير كذلك حاسم فاصل .. ويتكرر الإيقاع الموحي في كل آية : «قل» .. «قل» .. «قل» .. ويلمس في كل آية أعماق القلب البشري لمسات دقيقة عميقة في مكان التوحيد .. توحيد الصراط والملة. توحيد المتجه والحركة. توحيد الإله والرب. توحيد العبودية والعبادة .. مع نظرة شاملة إلى الوجود كله وسنته ومقوماته.
«قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين. قل : أغير الله أبغي ربا ، وهو رب كل شيء ، ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون. وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم. إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم» ..
هذا التعقيب كله ، الذي يؤلف مع مطلع السورة لحنا رائعا باهرا متناسقا ، هو تعقيب ينتهي به الحديث عن قضية الذبائح والنذور والثمار ، وما تزعمه الجاهلية بشأنها من شرائع ، تزعم أنها من شرع الله افتراء على الله .. فأية دلالة يعطيها هذا التعقيب؟ إنها دلالة لا تحتاج بعد ما سبق من البيان إلى مزيد ..
(قُلْ : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ..
إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر ، ويشي بالثقة ، ويفيض باليقين .. اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية ، والثقة بالصلة الهادية .. صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية .. والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم ، الذي لا التواء فيه ولا عوج : «دينا قيما» .. وهو دين الله القديم منذ إبراهيم. أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب : «ملة إبراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين».
(قُلْ : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ. وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ..
إنه التجرد الكامل لله ، بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة. بالصلاة والاعتكاف. وبالمحيا والممات. بالشعائر التعبدية ، وبالحياة الواقعية ، وبالممات وما وراءه.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
