ثم لم يؤمن بها المكذبون .. والله سبحانه يقول لهم : إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده .. وإنه يوم تأتي بعض آيات الله تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل .. لنفس لم نؤمن من قبل ، ولم تكسب عملا صالحا في إيمانها. فالعمل الصالح هو دائما قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام.
ولقد ورد في روايات متعددة أن المقصود بقوله تعالى : (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ) هو أشراط الساعة وعلاماتها ، التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل. وعدوا من ذلك أشراطا بعينها .. ولكن تأويل الآية على وفق السنة الجارية في هذه الحياة أولى. فقد سبق مثله في أول السورة ، وهو قوله تعالى : (وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) .. والملاحظ أن السياق يكرر وهو بصدد الكلام عن الشريعة والحاكمية ، ما جاء مثله من قبل وهو بصدد الكلام عن الإيمان والعقيدة ، وأن هذا ملحوظ ومقصود ، لتقرير حقيقة بعينها. فأولى أن نحمل هذا الذي في آخر السورة على ما جاء من مثله في أولها من تقرير سنة الله الجارية. وهو كاف في التأويل ، بدون الالتجاء إلى الإحالة على ذلك الغيب المجهول ..
* * *
بعد ذلك يلتفت السياق إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ليفرده وحده بدينه وشريعته ومنهجه وطريقه عن كل الملل والنحل والشيع القائمة في الأرض ـ بما فيها ملة المشركين العرب ـ :
(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) ..
إنه مفرق الطريق بين الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ودينه وشريعته ومنهجه كله وبين سائر الملل والنحل .. سواء من المشركين الذين كانت تمزقهم أوهام الجاهلية وتقاليدها وعاداتها وثاراتها ، شيعا وفرقا وقبائل وعشائر وبطونا. أو من اليهود والنصارى ممن قسمتهم الخلافات المذهبية مللا ونحلا ومعسكرات ودولا. أو من غيرهم مما كان وما سيكون من مذاهب ونظريات وتصورات ومعتقدات وأوضاع وأنظمة إلى يوم الدين.
إن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ليس من هؤلاء كلهم في شيء .. إن دينه هو الإسلام وشريعته هي التي في كتاب الله ؛ ومنهجه هو منهجه المستقل المتفرد المتميز .. وما يمكن ان يختلط هذا الدين بغيره من المعتقدات والتصورات ؛ ولا أن تختلط شريعته ونظامه بغيره من المذاهب والأوضاع والنظريات .. وما يمكن أن يكون هناك وصفان اثنان لأي شريعة أو أي وضع أو أي نظام .. إسلامي .. وشيء آخر ..!!! إن الإسلام إسلام فحسب. والشريعة الإسلامية شريعة إسلامية فحسب. والنظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي الإسلامي إسلامي فحسب .. ورسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ليس في شيء على الإطلاق من هذا كله إلى آخر الزمان!
إن الوقفة الأولى للمسلم أمام أية عقيدة ليست هي الإسلام هي وقفة المفارقة والرفض منذ اللحظة الأولى. وكذلك وقفته أمام أي شرع أو نظام أو وضع ليست الحاكمية فيه لله وحده ـ وبالتعبير الآخر : ليست الألوهية والربوبية فيه لله وحده ـ إنها وقفة الرفض والتبرؤ منذ اللحظة الأولى .. قبل الدخول في أية محاولة للبحث عن مشابهات أو مخالفات بين شيء من هذا كله وبين ما في الإسلام!
إن الدين عند الله الإسلام .. ورسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ليس في شيء ممن فرقوا الدين فلم يلتقوا فيه على الإسلام.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
