إنها تسبيحة «التوحيد» المطلق ، والعبودية الكاملة ، تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات ، وتخلصها لله وحده. لله «رب العالمين» .. القوام المهيمن المتصرف المربي الموجه الحاكم للعالمين .. في «إسلام» كامل لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية لا يعبدها لله ، ولا يحتجز دونه شيئا في الضمير ولا في الواقع .. «وبذلك أمرت» .. فسمعت وأطعت : «وأنا أول المسلمين».
(قُلْ : أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ؟) ..
كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن ؛ وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل ؛ وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية .. ثم تظللها كلها بربوبية الله الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل ؛ وتعبدها كلها لحاكمية الله المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة.
ثم تعجب في استنكار :
(أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ)؟
أغير الله أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن علي ويقومني ويوجهني؟ وأنا مأخوذ بنيتي وعملي ، محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية؟
أغير الله أبغي ربا. وهذا الكون كله في قبضته ؛ وأنا وأنتم في ربوبيته؟
أغير الله أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره؟ «ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى؟» ..
أغير الله أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعا فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه؟
أغير الله أبغي ربا ، وهو الذي استخلف الناس في الأرض ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في العقل والجسم والرزق ؛ ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون؟
أغير الله أبغي ربا ، وهو سريع العقاب ، غفور رحيم لمن تاب؟
أغير الله أبغي ربا ، فأجعل شرعه شرعا ، وأمره أمرا ، وحكمه حكما. وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة ؛ وكلها شاهدة ؛ وكلها هادية إلى أن الله وحده هو الرب الواحد المتفرد؟؟؟
إنها تسبيحة التوحيد الرخية الندية ؛ يتجلى من خلالها ذلك المشهد الباهر الرائع. مشهد الحقيقة الإيمانية ، كما هي في قلب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو مشهد لا يعبر عن روعته وبهائه إلا التعبير القرآني الفريد ..
إنه الإيقاع الأخير في السياق الذي استهدف قضية الحاكمية والشريعة ؛ يجيء متناسقا مع الإيقاعات الأولى في السورة ، تلك التي استهدفت قضية العقيدة والإيمان ؛ من ذلك قوله تعالى : (قُلْ : أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ؟ قُلْ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) .. وغيرها في السورة كثير ..
* * *
ولا نحتاج أن نكرر ما قلناه مرارا من دلالة هذه المثاني التي تردد في المطالع والختام. فهي صور متنوعة
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
