(يعنون الروم) كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال .. إرجافا وترهيبا للمؤمنين .. فقال مخشن بن حمير : والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة ، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ فيما بلغني ـ لعمار بن ياسر : «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل : بلى قلتم كذا وكذا». فانطلق إليهم عمار ، فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يعتذرون إليه ، فقال وديعة بن ثابت ، ورسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ واقف على ناقته ، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها (وهو الحبل يشد على بطن البعير) يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب. فأنزل الله عزوجل : «ولئن سألتهم ليقولن : إنما كنا نخوض ونلعب. قل : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟» وقال مخشن بن حمير : يا رسول الله ، قعد بي اسمي واسم أبي! وكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن بن حمير. فتسمى عبد الرحمن. وسأل الله تعالى أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ، فلم يوجد له أثر ..
قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : لما قفل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم من تبوك ـ بعد ما أقام بها بضع عشرة ليلة لم يلق فيها حربا ـ همّ جماعة من المنافقين بالفتك به ، وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق ، فأخبر بخبرهم ، فأمر الناس بالمسير من الوادي ، وصعد هو العقبة ، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا ، وأمر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه. عمار آخذ بزمام الناقة ، وحذيفة يسوقها ؛ فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم ، فغضب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وأبصر حذيفة غضبه ، فرجع إليهم ومعه محجن ، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه ، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد ظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم ؛ فأسرعوا حتى خالطوا الناس ؛ وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ، ووقفوا ينتظرون الناس. ثم قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لحذيفة : «هل عرفت هؤلاء القوم؟» قال : ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم. ثم قال : «علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟» قالا : لا. فأخبرهما بما كانوا تمالأوا عليه ، وسماهم لهما ، واستكتمهما ذلك ، فقالا : يا رسول الله ، أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال : «أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ..
قال ابن كثير في البداية والنهاية :
وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إنما أعلم بأسمائهم حذيفة ابن اليمان وحده. وهذا هو الأشبه ، والله أعلم (١) ..
فأما العسرة التي لقيها المسلمون في الغزوة فقد وردت بعض الروايات بشواهد منها .. قال ابن كثير في التفسير :
قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) .. في غزوة تبوك. وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر ، في سنة مجدبة ، وحر شديد ، وعسر من الزاد والماء .. قال قتادة : خرجوا إلى الشام على تبوك في لهبان الحر ، على ما يعلم الله من الجهد ، فأصابهم فيها جهد شديد
__________________
(١) لم أجد هذا فيما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق في السيرة.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
