فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو رضي الله عنهم يتحسسون على الماء. وأشار لهم إلى ظريب (تصغير ظرب وهو الجبل الصغير المنبسط في حجارة دقاق) وقال : أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب الذي يلي الظرب. فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سقاؤهم (الروايا من الإبل حوامل الماء وسقاء جمع سقاء) فأفلت عامتهم ـ وفيهم عجير ـ فجاء قريشا ، فقال : يا آل غالب ، هذا ابن أبي كبشة (يعني النبي صلىاللهعليهوسلم) وأصحابه قد أخذوا سقاءكم. فماج العسكر وكرهوا ذلك ، والسماء تمطر عليهم. وأخذ تلك الليلة أبو يسار غلام عبيدة بن سعيد بن العاص ، وأسلم غلام منبه بن الحجاج ، وأبو رافع غلام أمية بن خلف ، فأتي بهم النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو يصلي. فقالوا : نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهم فضربوهم. فقالوا : نحن لأبي سفيان ، ونحن في العير! فأمسكوا عنهم! فسلم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وقال : «إن صدقوكم ضربتموهم ، وإن كذبوكم تركتموهم!» ثم أقبل عليهم يسألهم ، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب ، وأنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا ، وأعلموه بمن خرج من مكة. فقال صلىاللهعليهوسلم : القوم ما بين الألف والتسعمائة. وقال : «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها».
واستشار أصحابه في المنزل ، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح .. انطلق بنا إلى أدنى بئر إلى القوم. فإني عالم بها وبقلبها. بها قليب (أي بئر قديمة لا يعلم من حفرها) قد عرفت عذوبة مائه ، وماء كثير لا ينزح. ثم نبني عليها حوضا ، ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ؛ ونعور ما سواها من القلب. فقال : يا حباب أشرت بالرأي (وفي رواية ابن هشام عن ابن إسحاق أن الحباب بن المنذر قال : يا رسول الله ، هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال : «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» قال : يا رسول الله ، هذا ليس بمنزل .. ثم أشار بما أشار) ونهض رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فنزل على القليب ببدر. وبات تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة (أي ما بقي من جذعها بعد قطع أعلاه). وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان. وفعل ما أشار به الحباب .. وبعث الله السماء ، فأصاب المسلمين ما لبد الأرض ولم يمنع من السير. وأصاب قريشا من ذلك ما لم يقدروا أن يرتحلوا منه. وإنما بينهم قوز من رمل. وكان مجيء المطر نعمة وقوة للمؤمنين ، وبلاء ونقمة على المشركين. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقي عليهم. فناموا ، حتى إن أحدهم تكون ذقنه بين ثدييه وما يشعر حتى يقع على جنبه. واحتلم رفاعة ابن رافع بن مالك حتى اغتسل آخر الليل .. وبعث ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ فأطافا بالقوم ، ثم رجعا فأخبراه أن القوم مذعورون ، وأن السماء تسح عليهم.
وبني لرسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لما نزل على القليب ـ عريش من جريد. وقام سعد بن معاذ على بابه متوشح السيف. ومشى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ على موضع الوقعة ، وعرض على أصحابه مصارع رؤوس الكفر من قريش مصرعا مصرعا ، يقول : هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان .. فما عدا واحد منهم مضجعه الذي حدّ له الرسول. وعدل صلىاللهعليهوسلم الصفوف. ورجع إلى العريش فدخل ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وأبوبكر رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق : وقد ارتحلت قريش حتى أصبحت فأقبلت. فلما رآها رسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ تصوّب من العقنقل (وهو الكثيب الذي جاءوا منه) إلى الوادي ، قال : «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك ، وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم الغداة». وقد قال رسول
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
