طريقة القرآن التصويرية العجيبة :
فها هم أولاء ، بكل بواعثهم ، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم .. هاهم أولاء مكشوفين للأعين ، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر ، يكشف النوايا والسرائر ؛ ويكشف البواعث والدوافع.
ها هم أولاء ـ كما كانوا على عهد الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وكما يكونون في كل زمان وكل مكان. ها هم أولاء. ضعافا منافقين ملتوين ؛ صغار الاهتمامات أيضا : لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر ، ولا أفقا أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة. فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد. وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة!
إنهم يبطئون ويتلكأون ، ولا يصارحون ، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار :
يتخلفون عن المعركة .. فإن أصابت المجاهدين محنة ، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين ـ في بعض الأحايين ـ فرح المتخلفون ؛ وحسبوا أن فرارهم من الجهاد ، ونجاتهم من الابتلاء نعمة :
(فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ : قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً) ..
إنهم لا يخجلون ـ وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة ـ أن ينسبوها لله. الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا! والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة الله أبدا. فنعمة الله لا تنال بالمخالفة. ولو كان ظاهرها نجاة!
إنها نعمة! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع الله. عند من لا يدركون لما ذا خلقهم الله. ولا يعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة. نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطىء الأقدام في هذه الأرض .. كالنمال .. نعمة عند من لا يحسون أن البلاء ـ في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله ـ هو فضل واختيار من الله ، يختص به من يشاء من عباده ؛ ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري ، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة ، يملكونها ولا تملكهم. وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة .. في منازل الشهداء ..
إن الناس كلهم يموتون! ولكن الشهداء ـ في سبيل الله ـ هم وحدهم الذين «يستشهدون» .. وهذا فضل من الله عظيم.
فأما إذا كانت الأخرى .. فانتصر المجاهدون ؛ الذين خرجوا مستعدين لقبول كل ما يأتيهم به الله .. ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة .. ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة!
(وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ ، لَيَقُولَنَّ ـ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ـ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً).
إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب ، هي التي يقولون عنها : «فوزا عظيما» والمؤمن لا يكره الفوز بالإياب والغنيمة ؛ بل مطلوب منه أن يرجوه من الله. والمؤمن لا يتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل الله العافية .. ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور ، الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسما مستنكرا منفرا ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
