ولا يقبل من الفرد المسلم ولا من المجتمع المسلم ، أقل من أن تكون حياته بجملتها من صنع هذا المنهج ، وتحت تصرفه وتوجيهه. وعلى وجه التحديد لا يقبل من الفرد المسلم ، ولا من المجتمع المسلم أن يجعل لحياته مناهج متعددة المصادر : منهجا للحياة الشخصية ، وللشعائر والعبادات ، والأخلاق والآداب ، مستمدا من كتاب الله. ومنهجا للمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية ، مستمدا من كتاب أحد آخر ؛ أو من تفكير بشري على الإطلاق! إن مهمة التفكير البشري أن تستنبط من كتاب الله منهجه أحكاما تفصيلية تطبيقية لأحداث الحياة المتجددة ، وأقضيتها المتطورة ـ بالطريقة التي رسمها الله في الدرس السابق من هذه السورة ـ ولا شيء وراء ذلك. وإلا فلا إيمان أصلا ولا إسلام. لا إيمان ابتداء ولا إسلام ، لأن الذين يفعلون ذلك لم يدخلوا بعد في الإيمان ، ولم يعترفوا بعد بأركان الإسلام. وفي أولها : شهادة أن لا إله إلا الله ، التي ينشأ منها أن لا حاكم إلا الله ، وأن لا مشرع إلا الله.
وها هو ذا كتاب الله يرسم للمسلمين جانبا من الخطة التنفيذية للمعركة ؛ المناسبة لموقفهم حينذاك. ولو جودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج. والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل. وهو يحذرهم ابتداء :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) ..
خذوا حذركم من عدوكم جميعا. وبخاصة المندسين في الصفوف من المبطئين ، الذين سيرد ذكرهم في الآية : (فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) ..
ثبات. جميع ثبة : أي مجموعة .. والمقصود لا تخرجوا للجهاد فرادى. ولكن اخرجوا مجموعات صغيرة ، أو الجيش كله .. حسب طبيعة المعركة .. ذلك أن الآحاد قد يتصيدهم الأعداء ، المبثوثون في كل مكان. وبخاصة إذا كان هؤلاء الأعداء منبثين في قلب المعسكر الإسلامي .. وهم كانوا كذلك ، ممثلين في المنافقين ، وفي اليهود ، في قلب المدينة.
(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ. فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ : قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً. وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ ـ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ـ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) ..
انفروا جماعات نظامية. أو انفروا جميعا. ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم ـ كما هو واقع ـ وخذوا حذركم. لا من العدو الخارجي وحده ؛ ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين ؛ سواء كانوا يبطئون أنفسهم ـ أي يقعدون متثاقلين ـ أو يبطئون غيرهم معهم ؛ وهو الذي يقع عادة من المخذّلين المثبطين!
ولفظة «ليبطئن» مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر ؛ وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها ، حتى يأتي على آخرها ، وهو يشدها شدا ؛ وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويرا كاملا بهذا التعثر والتثاقل في جرسها. وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن ، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة (١).
وكذلك يشي تركيب الجملة كلها : (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) ، بأن هؤلاء المبطئين ـ وهم معدودون من المسلمين ـ «منكم» يزاولون عملية التبطئة كاملة ، ويصرون عليها إصرارا ، ويجتهدون فيها اجتهادا .. وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة ، وشدة أثرها في الصف المسلم ؛ وشدة ما يلقاه منها!
ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم ، وعلى دخيلة نفوسهم ؛ ويرسم حقيقتهم المنفرة ، على
__________________
(١) يراجع فصل «التناسق الفني» في كتاب : «التصوير الفني في القرآن». «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
