إن المؤمن لا يتمنى البلاء بل يسأل الله العافية. ولكنه إذا ندب للجهاد خرج ـ غير متثاقل ـ خرج يسأل الله إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة .. وكلاهما فضل من الله ؛ وكلاهما فوز عظيم. فيقسم له الله الشهادة ، فإذا هو راض بما قسم الله ؛ أو فرح بمقام الشهادة عند الله. ويقسم له الله الغنيمة والإياب ، فيشكر الله على فضله ، ويفرح بنصر الله. لا لمجرد النجاة!
وهذا هو الأفق الذي أراد الله أن يرفع المسلمين إليه ؛ وهو يرسم لهم هذه الصورة المنفرة لذلك الفريق «منهم» وهو يكشف لهم عن المندسين في الصف من المعوقين ، ليأخذوا منهم حذرهم ؛ كما يأخذون حذرهم من أعدائهم!
ومن وراء التحذير والاستنهاض للجماعة المسلمة في ذلك الزمان ، يرتسم نموذج إنساني متكرر في بني الإنسان ، في كل زمان ومكان ، في هذه الكلمات المعدودة من كلمات القرآن!
ثم تبقى هذه الحقيقة تتملاها الجماعة المسلمة أبدا. وهي أن الصف قد يوجد فيه أمثال هؤلاء. فلا ييئس من نفسه. ولكن يأخذ حذره ويمضي. ويحاول بالتربية والتوجيه والجهد ، أن يكمل النقص ، ويعالج الضعف ، وينسق الخطى والمشاعر والحركات!
* * *
ثم يمضي السياق يحاول أن يرفع ويطلق هؤلاء المبطئين المثقلين بالطين! وأن يوقظ في حسهم التطلع إلى ما هو خير وأبقى .. الآخرة .. وأن يدفعهم إلى بيع الدنيا وشراء الآخرة. ويعدهم على ذلك فضل الله في الحالتين ، وإحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة :
(فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) ..
فليقاتل في سبيل الله ـ فالإسلام لا يعرف قتالا إلا في هذا السبيل. لا يعرف القتال للغنيمة ولا يعرف القتال للسيطرة. ولا يعرف القتال للمجد الشخصي أو القومي!
إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض ؛ ولا للاستيلاء على السكان .. لا يقاتل ليجد الخامات للصناعات ، والأسواق للمنتجات ؛ أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المستعمرات وشبه المستعمرات!
إنه لا يقاتل لمجد شخص. ولا لمجد بيت. ولا لمجد طبقة. ولا لمجد دولة ، ولا لمجد أمة ، ولا لمجد جنس. إنما يقاتل في سبيل الله. لإعلاء كلمة الله في الأرض. ولتمكين منهجه من تصريف الحياة. ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج ، وعدله المطلق «بين الناس» مع ترك كل فرد حرا في اختيار العقيدة التي يقتنع بها .. في ظل هذا المنهج الرباني الإنساني العالمي العام ..
وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل الله ، بقصد إعلاء كلمة الله ، وتمكين منهجه في الحياة. ثم يقتل .. يكون شهيدا. وينال مقام الشهداء عند الله .. وحين يخرج لأي هدف آخر ـ غير هذا الهدف ـ لا يسمى «شهيدا» ولا ينتظر أجره عند الله ، بل عند صاحب الهدف الآخر الذي خرج له .. والذين يصفونه حينئذ بأنه «شهيد» يفترون على الله الكذب ؛ ويزكون أنفسهم أو غيرهم بغير ما يزكي به الله الناس. افتراء على الله! فليقاتل في سبيل الله ـ بهذا التحديد .. من يريدون أن يبيعوا الدنيا ليشتروا بها الآخرة. ولهم ـ حينئذ ـ فضل من الله عظيم ؛ في كلتا الحالتين : سواء من يقتل في سبيل الله ؛ ومن يغلب في سبيل الله أيضا :
(وَمَنْ يُقاتِلْ ـ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
