طاعته. ويقرر أن هذا القرآن كله من عنده ؛ ويدعوهم إلى تدبر الوحدة الكاملة فيه ، الدالة على وحدة مصدره : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ) .. (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً).
«ح» ثم نراه ـ بعد أن يصف حال المرجفين بالأنباء ـ يوجههم إلى الطريق الأسلم ، المتفق مع قاعدة التنظيم القيادي للجماعة : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ..
«ط» ويحذرهم من عاقبة هذا الطريق ، وهو يذكرهم فضل الله عليهم في هدايتهم : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً) ..
ونستطيع أن ندرك مدى الخلخلة التي كانت تنشئها هذه الظواهر في الجماعة المسلمة ؛ والتي كانت تحتاج إلى مثل هذا الجهد الموصول ، المنوع الأساليب .. حين نسمع الله ـ سبحانه ـ يأمر نبيه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بأن يجاهد ـ ولو كان وحيدا ـ وأن يحرض المؤمنين على القتال. فيكون مسئولا عن نفسه فحسب : والله يتولى المعركة : (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ـ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ، عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) .. وفي هذا الأسلوب ما فيه من استجاشة القلوب ، واستثارة الهمم ؛ بقدر ما فيه من استجاشة الأمل في النصر ، والثقة ببأس الله وقوته ..
لقد كان القرآن يخوض المعركة بالجماعة المسلمة في ميادين كثيرة. وكان أولها ميدان النفس ضد الهواجس والوساوس وسوء التصور ورواسب الجاهلية ، والضعف البشري ـ حتى ولو لم يكن صادرا عن نفاق أو انحراف ـ وكان يسوسها بمنهجه الرباني لتصل إلى مرتبة القوة ، ثم إلى مرتبة التناسق في الصف المسلم. وهذه غاية أبعد وأطول أمدا. فالجماعة حين يوجد فيها الأقوياء كل القوة ، لا يغنيها هذا ، إذا وجدت اللبنات المخلخلة في الصف بكثرة .. ولا بد من التناسق مع اختلاف المستويات .. وهي تواجه المعارك الكبيرة. والآن نأخذ في مواجهة النصوص مواجهة تفصيلية :
* * *
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ. فَانْفِرُوا ثُباتٍ ، أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً. وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ. فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ : قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ ، إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً. وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ ـ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ـ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ ، فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) ..
إنها الوصية للذين آمنوا : الوصية من القيادة العليا ، التي ترسم لهم المنهج ، وتبين لهم الطريق. وإن الإنسان ليعجب ، وهو يراجع القرآن الكريم ؛ فيجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين ـ بصفة عامة طبعا ـ الخطة العامة للمعركة وهي ما يعرف باسم «استراتيجية المعركة». ففي الآية الأخرى يقول للذين آمنوا : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً). فيرسم الخطة العامة للحركة الإسلامية. وفي هذه الآية يقول للذين آمنوا : (خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) وهي تبين ناحية من الخطة التنفيذية أو ما يسمى «التاكتيك». وفي سورة الأنفال جوانب كذلك في الآيات : (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ... الآيات».
وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب ؛ ولا يعلمهم الآداب والأخلاق فحسب ـ كما يتصور الناس الدين ذلك التصور المسكين! إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة. ويعرض لكل ما تتعرض له حياة الناس من ملابسات واقعية .. ومن ثم يطلب ـ بحق ـ الوصاية التامة على الحياة البشرية ؛
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
