في أمرهم فئتين .. مما يوحي بعدم التناسق في التصور الإيماني وفي التنظيم القيادي (من ناحية عدم فهم المجموع لوظيفة القيادة وعلاقتهم بها في مثل هذه الشؤون) ..
وقد يكون هؤلاء جميعا مجموعة واحدة من المنافقين ؛ أو مجموعتين : المنافقين. وضعاف الإيمان ، الذين لم تنضج شخصيتهم الإيمانية ـ ولو كان بعضهم من المهاجرين .. ولكن وجود تلك المجموعة أو هاتين المجموعتين في الصف المسلم ـ وهو يواجه العداوات المحيطة به في المدينة من اليهود ، وفي مكة من المشركين ، وفي الجزيرة العربية كلها من المتربصين .. من شأنه أن يحدث خلخلة في الصف ؛ تحتاج إلى تربية طويلة ، وإلى جهاد طويل!
ونحن نرى في هذا الدرس نماذج من هذا الجهاد ، ومن هذه التربية. وعلاجا لكل خبيئة في النفس أو في الصف. في دقة ، وفي عمق ، وفي صبر كذلك ، يتمثل في صبر النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قائد هذا الصف ، الذي يتولى تربيته بالمنهج القرآني :
«أ» نرى الأمر بالحذر ، فلا يخرج المجاهدون المؤمنون فرادى ، للسرايا أو المهام الجهادية. بل يخرجون «ثبات» أي سرايا أو فصائل .. أو يخرجون جميعا في جيش متكامل. لأن الأرض حولهم ملغمة! والعداوات حولهم شتى ، والكمين قد يكون كامنا بينهم من المنافقين ، أو ممن يؤويهم المنافقون واليهود من عيون الأعداء المتربصين!
«ب» ونرى تصويرا منفرا للمبطئين يبدو فيه سقوط الهمة ؛ وحب المنفعة القريبة ؛ والتلون من حال إلى حال ، حسب اختلاف الأحوال! وكذلك نرى التعجيب من حال أولئك الذين كانوا شديدي التحمس في مكة للقتال ، فلما كتب عليهم في المدينة عراهم الجزع.
«ج» ونرى وعد الله لمن يقاتلون في سبيل الله ، بالأجر العظيم ، وإحدى الحسنيين : (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) ..
«د» ونرى تصوير القرآن لشرف القصد ، وارتفاع الهدف ، ونبل الغاية ، في القتال الذي يدفعهم إليه .. (فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ، الَّذِينَ يَقُولُونَ : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها ، وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) ..
«ه» كما نرى تصوير القرآن لأحقية الغاية التي يجاهد لها الذين آمنوا وقوة السند ؛ إلى جانب بطلان غاية الذين كفروا وضعف سندهم فيها : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) ..
«و» ونرى معالجة المنهج القرآني للتصورات الفاسدة ، التي تنشأ عنها المشاعر الفاسدة والسلوك الضعيف. وذلك بتصحيح هذه التصورات الاعتقادية .. مرة في بيان حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة : (قُلْ : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) .. ومرة في تقرير حتمية الموت ونفاذ المقدر فيه ؛ مهما يتخذ المرء من الاحتياط ، ومهما ينكل عن الجهاد : (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) .. ومرة في تقرير حقيقة قدر الله وعمل الإنسان : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ. قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ. فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً؟ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ ، وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ..
«ز» ونرى القرآن يؤكد حقيقة الصلة بين الله ـ سبحانه ـ ورسوله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وأن طاعته من
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
