وقد كان بعض مشركي العرب يعبدون الجن .. وهم لا يعرفون من هم الجن! ولكنها أوهام الوثنية! والنفس متى انحرفت عن التوحيد المطلق قيد شبر انساقت في انحرافها إلى أي مدى ؛ وانفرجت المسافة بينها وبين نقطة الانحراف التي بدأت صغيرة لا تكاد تلحظ! وهؤلاء المشركون كانوا على دين إسماعيل .. دين التوحيد الذي جاء به إبراهيم عليهالسلام في هذه المنطقة .. ولكنهم انحرفوا عن هذا التوحيد .. ولا بد أن يكون الانحراف قد بدأ يسيرا .. ثم انتهى إلى مثل هذا الانحراف الشنيع .. الذي يبلغ أن يجعل الجن شركاء لله .. وهم من خلقه سبحانه :
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ـ وَخَلَقَهُمْ ـ)!
ولقد عرفت الوثنيات المتعددة في الجاهليات المتنوعة أن هناك كائنات شريرة ـ تشبه فكرة الشياطين ـ وخافوا هذه الكائنات ـ سواء كانت أرواحا شريرة أو ذوات شريرة ـ وقدموا لها القرابين اتقاء لشرها ؛ ثم عبدوها!
والوثنية العربية واحدة من هذه الوثنيات التي وجدت فيها هذه التصورات الفاسدة ، في صورة عبادة للجن ، واتخاذهم شركاء لله (١) .. سبحانه ..
والسياق القرآني يواجههم بسخف هذا الاعتقاد .. يواجههم بكلمة واحدة :
(وَخَلَقَهُمْ) ..
وهي لفظة واحدة ، ولكنها تكفي للسخرية من هذا التصور! فإذا كان الله سبحانه هو الذي «خلقهم» فكيف يكونون شركاء له في الألوهية والربوبية؟!
ولم تكن تلك وحدها دعواهم. فأوهام الوثنية متى انطلقت لا تقف عند حد من الانحراف. بل كانوا يزعمون له سبحانه بنين وبنات :
(وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
و «خرقوا» أي : اختلقوا .. وفي لفظها جرس خاص وظل خاص ؛ يرسم مشهد الطلوع بالفرية التي تخرق وتشق!
خرقوا له بنين : عند اليهود : عزير. وعند النصارى : المسيح : وخرقوا له بنات. عند المشركين : الملائكة. وقد زعموا أنهم إناث .. ولا يدري أحد طبعا لما ذا هم إناث! فالادعاءات كلها لا تقوم على أساس من علم .. فكلها (بِغَيْرِ عِلْمٍ) ..
(سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ!) ..
ثم يواجه فريتهم هذه وتصوراتهم بالحقيقة الإلهية ، ويناقشهم في هذه التصورات بما يكشف عما فيها من هلهلة :
(بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ..
إن الذي يبدع هذا الوجود إبداعا من العدم ما تكون حاجته إلى الخلف!؟ والخلف إنما هو امتداد الفانين ، وعون الضعفاء ، ولذة من لا يبدعون!
__________________
(١) قال الكلبي في كتاب الأصنام : «كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
