ثم هم يعرفون قاعدة التكاثر .. أن يكون للكائن صاحبة أنثى من جنسه .. فكيف يكون لله ولد ـ وليست له صاحبة ـ وهو ـ سبحانه ـ مفرد أحد ، ليس كمثله شيء. فأنى يكون النسل بلا تزاوج؟!
وهي حقيقة ، ولكنها تواجه مستواهم التصوري ؛ وتخاطبهم بالأمثلة القريبة من حياتهم ومشاهداتهم! ويتكىء السياق ـ في مواجهتهم ـ على حقيقة «الخلق» لنفي كل ظل للشرك. فالمخلوق لا يكون أبدا شريكا للخالق. وحقيقة الخالق غير حقيقة المخلوق : كما يواجههم بعلم الله المطلق الذي لا تقابله منهم إلّا أوهام وظنون :
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ..
(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ..
* * *
وكما واجههم السياق القرآني بحقيقة أن الله (خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ، ليرتب عليها تهافت تصوراتهم بأن لله ـ سبحانه ـ بنين وبنات ، أو أن له شركاء الجن ـ وهو خلقهم ـ فإنه يتكىء على هذه الحقيقة مرة أخرى. لتقرير أن الذي يعبد ويخضع له ويطاع ، ويعترف له بالدينونة وحده هو خالق كل شيء ، فلا إله إذن غيره ، ولا رب إذن سواه :
(ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ؛ فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ..
إن تفرد الله سبحانه بالخلق ، يفرده سبحانه بالملك. والمتفرد بالخلق والملك يتفرد كذلك بالرزق. فهو خالق خلقه ومالكهم ، فهو كذلك يرزقهم من ملكه الذي ليس لأحد شرك فيه. فكل ما يقتاته الخلق وكل ما يستمتعون به فإنما هو من هذا الملك الخالص لله .. فإذا تقررت هذه الحقائق .. الخلق والملك والرزق .. تقرر معها ـ ضرورة وحتما ـ أن تكون الربوبية له سبحانه. فتكون له وحده خصائص الربوبية ـ وهي القوامة والتوجيه والسلطان الذي يخضع له ويطاع ، والنظام الذي يتجمع عليه العباد (١) ـ وتكون له وحده العبادة بكل مدلولاتها. ومنها الطاعة والخضوع والاستسلام.
ولم يكن العرب ـ في جاهليتهم ـ ينكرون أن الله هو خالق هذا الكون ، وخالق الناس ، ورازقهم كذلك من ملكه ، الذي ليس وراءه ملك تقتات منه العباد! .. وكذلك لم تكن الجاهليات الأخرى تنكر هذه الحقائق ـ على قلة من الفلاسفة الماديين من الإغريق! ـ ولم تكن هنالك هذه المذاهب المادية التي تنتشر اليوم بشكل أوسع مما عرف أيام الإغريق .. لذلك لم يكن الإسلام يواجه في الجاهلية العربية إلا الانحراف في التوجه بالشعائر التعبدية لآلهة ـ مع الله ـ على سبيل الزلفى والقربى من الله! ـ وإلا الانحراف في تلقي الشرائع والتقاليد التي تحكم حياة الناس .. أي أنه لم يكن يواجه الإلحاد في وجود الله ـ سبحانه ـ كما يقول اليوم «ناس»! أو كما يتبجحون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير!
والحق أن هؤلاء الذين يجادلون في وجود الله اليوم قلة. وسيظلون قلة. إنما الانحراف الأساسي هو ذاته الذي كان في الجاهلية. وهو تلقي الشرائع في شؤون الحياة من غير الله .. وهذا هو الشرك التقليدي الأساسي الذي قامت عليه الجاهلية العربية ، وكل الجاهليات أيضا!
__________________
(١) يراجع كتاب : «المصطلحات الأربعة في القرآن» للأستاذ أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان : فصول : الألوهية والربوبية والعبادة.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
