ودور الماء الظاهر في إنبات كل شيء دور واضح يعلمه البدائي والمتحضر ، ويعرفه الجاهل والعالم .. ولكن دور الماء في الحقيقة أخطر وأبعد مدى من هذا الظاهر الذي يخاطب به القرآن الناس عامة. فقد شارك الماء ابتداء ـ بتقدير الله ـ في جعل تربة الأرض السطحية صالحة للإنبات (إذا صحت النظريات التي تفترض أن سطح الأرض كان في فترة ملتهبا ، ثم صلبا لا توجد فيه التربة التي تنبت الزرع. ثم تم ذلك بتعاون الماء والعوامل الجوية على تحويلها إلى تربة لينة) ثم ظل الماء يشارك في إخصاب هذه التربة ، وذلك بإسقاط (النتروجين ـ الأزوت) من الجو كلما أبرق فاستخلصت الشرارة الكهربائية ، التي تقع في الجو ، النتروجين الصالح للذوبان في الماء ويسقط مع المطر ، ليعيد الخصوبة إلى الأرض .. وهو السماد الذي قلد الإنسان القوانين الكونية في صنعه ، فأصبح يصنعه الآن بنفس الطريقة! وهو المادة التي يخلو وجه الأرض من النبات لو نفدت من التربة!
(فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً. وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ. وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ. وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) ..
وكل نبت يبدأ أخضر. واللفظ «خضر» أرق ظلا ، وأعمق ألفة من لفظ «أخضر» .. هذا النبت الخضر (نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً) .. كالسنابل وأمثالها. (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ) .. وقنوان جمع قنو وهو الفرع الصغير. وفي النخلة هو العذق الذي يحمل الثمر. ولفظة «قنوان» ووصفها «دانية» يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف. وظل المشهد كله ظل وديع حبيب .. (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ) .. (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ). هذا النبات كله بفصائله وسلالاته ـ (مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) ـ (انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) .. انظروا بالحس البصير ، والقلب اليقظ .. انظروا إليه في ازدهاره ، وازدهائه ، عند كمال نضجه. انظروا إليه واستمتعوا بجماله .. لا يقول هنا ، كلوا من ثمره إذا أثمر ، ولكن يقول : (انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) لأن المجال هنا مجال جمال ومتاع ، كما أنه مجال تدبر في آيات الله ، وبدائع صنعته في مجالي الحياة (١).
(إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ..
فالإيمان هو الذي يفتح القلب ، وينير البصيرة ، وينبه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة ، ويصل الكائن الإنساني بالوجود ، ويدعو الوجدان إلى الإيمان بالله خالق الجميع .. وإلا فإن هناك قلوبا مغلقة ، وبصائر مطموسة ، وفطرا منتكسة ، تمر بهذا الإبداع كله ، وبهذه الآيات كلها ، فلا تحس بها ولا تستجيب .. (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) ، وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون!
* * *
وعند ما يبلغ السياق إلى هذا المقطع ؛ وقد عرض على القلب البشري صفحة الوجود الحافلة بدلائل وجود الله ، ووحدانيته ، وقدرته ، وتدبيره ، وقد غمر الوجدان بتلك الظلال الكونية الموحية ، وقد وصل الضمير بقلب الوجود النابض في كل حي ، الناطق ببديع صنع الخلاق .. عند ما يبلغ إلى هذا المقطع يعرض شرك المشركين ، فإذا هو غريب غريب في هذا الجو المؤمن الموصول بمبدع الوجود. ويعرض أوهام المشركين فإذا هي سخف تشمئز منه القلوب والعقول. وسرعان ما يعقب عليها بالاستنكار. والجو كله مهيأ للاستنكار :
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ـ وَخَلَقَهُمْ ـ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ! بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ؟ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ..
__________________
(١) يراجع فصل «الطبيعة في القرآن» في كتاب : «منهج الفن الإسلامي» لمحمد قطب. «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
