بعقدها. فيفي لها الله بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس .. وإلا بقيت هكذا ذيلا للقافلة .. وعد الله لا يخلف الله وعده ..
ولقد كان توجيه الله لنبيه في ذلك الحين الذي نزلت فيه هذه الآية :
(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ..
والعفو عن قبائحهم إحسان ، والصفح عن خيانتهم إحسان ..
ولكن جاء الوقت الذي لم يعد فيه للعفو والصفح مكان. فأمر الله نبيه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يجليهم عن المدينة. ثم أن يأمر بإجلائهم عن الجزيرة كلها. وقد كان ..
* * *
كذلك يقص الله ـ سبحانه ـ على نبيه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وعلى الجماعة المسلمة ، أنه أخذ ميثاق الذين قالوا : إنا نصارى ، من أهل الكتاب. ولكنهم نقضوا ميثاقهم كذلك. فنالهم جزاء هذا النقض للميثاق : (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ ؛ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ؛ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ. وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ).
ونجد هنا تعبيرا خاصا ذا دلالة خاصة :
(وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى) ..
ودلالة هذا التعبير : أنهم قالوها دعوى ، ولم يحققوها في حياتهم واقعا .. ولقد كان أساس هذا الميثاق هو توحيد الله. وهنا كانت نقطة الانحراف الأصلية في خط النصرانية التاريخي. وهذا هو الحظ الذي نسوه مما ذكروا به ؛ ونسيانه هو الذي قاد بعد ذلك إلى كل انحراف. كما أن نسيانه هو الذي نشأ من عنده الخلاف بين الطوائف والمذاهب والفرق ، التي لا تكاد تعد. في القديم وفي الحديث (كما سنبين إجمالا بعد قليل). وبينها ما بينها من العداوة والبغضاء ما يخبرنا الله سبحانه أنه باق فيهم إلى يوم القيامة .. جزاء وفاقا على نقض ميثاقهم معه ، ونسيانهم حظا مما ذكروا به .. ويبقى جزاء الآخرة عند ما ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ؛ وعند ما يجزيهم وفق ما ينبئهم به مما كانوا يصنعون!
ولقد وقع بين الذين قالوا : إنا نصارى من الخلاف والشقاق والعداوة والبغضاء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه الله ـ سبحانه ـ في كتابه الصادق الكريم ؛ وسال من دمائهم على أيدي بعضهم البعض ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ كله. سواء كان ذلك بسبب الخلافات الدينية حول العقيدة ؛ أو بسبب الخلافات على الرياسة الدينية ؛ أو بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي خلال القرون الطويلة لم تسكن هذه العداوات والخلافات ولم تخمد هذه الحروب والجراحات .. وهي ماضية إلى يوم القيامة كما قال أصدق القائلين ، جزاء على نقضهم ميثاقهم ، ونسيانهم حظا مما ذكروا به من عهد الله ، وأول بند فيه هو بند التوحيد ، الذي انحرفوا عنه بعد فترة من وفاة المسيح عليهالسلام. لأسباب لا مجال هنا لعرضها بالتفصيل (١).
* * *
__________________
(١) يراجع كتاب : «محاضرات في النصرانية» للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. كما يراجع الجزء الثالث من الظلال ص ٣٦٥ ـ ص ٣٦٦
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
