وحين يبلغ السياق هذا الموضع من استعراض موقف اليهود والنصارى من ميثاقهم مع الله .. وجهوا الخطاب لأهل الكتاب جميعا .. هؤلاء وهؤلاء .. لإعلانهم برسالة خاتم النبيين ؛ وأنها جاءت إليهم ـ كما جاءت للعرب الأميين ، وللناس أجمعين. فهم مخاطبون بها ، مأمورون باتباع الرسول الأخير ـ وهذا طرف من ميثاق الله معهم كما سلف ـ وأن هذا الرسول الأخير قد جاء يكشف لهم عن كثير مما كانوا يخفونه من الكتاب الذي بين أيديهم ؛ والذي استحفظوا عليه فنقضوا عهدهم مع الله فيه ؛ ويعفو كذلك عن كثير مما أخفوه ، ولم تعد هناك ضرورة له في الشريعة الجديدة .. ثم يتعرض لبعض الانحرافات التي جاء الرسول الأخير ليقومها في معتقداتهم : كقول النصارى : إن المسيح عيسى بن مريم هو الله. وكقولهم هم واليهود نحن أبناء الله وأحباؤه .. ويختم هذا النداء بأنه لن تكون لهم حجة عند الله بعد الرسالة الكاشفة المبينة المنيرة ؛ ولن يكون لهم أن يقولوا : إنه مرت عليهم فترة طويلة بعد الرسالات فنسوا ولبس الأمر عليهم :
(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ؛ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ .. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. قُلْ : فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً؟ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى : نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. قُلْ : فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ؛ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ .. يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ ـ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ـ أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ. فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ. وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ..
لقد كان أهل الكتاب يستكثرون أن يدعوهم إلى الإسلام نبي ليس منهم .. نبي من الأميين الذين كانوا يتعالون عليهم من قبل ويتعالمون ؛ لأنهم هم أهل الكتاب وهؤلاء أميون! فلما أراد الله الكرامة لهؤلاء الأميين بعث منهم خاتم النبيين ، وجعل فيهم الرسالة الأخيرة ، الشاملة للبشر أجمعين. وعلم هؤلاء الأميين ، فإذا هم أعلم أهل الأرض ؛ وأرقاهم تصورا واعتقادا ؛ وأقومهم منهجا وطريقا ، وأفضلهم شريعة ونظاما ، وأصلحهم مجتمعا وأخلاقا .. وكان هذا كله من فضل الله عليهم ؛ ومن إنعامه بهذا الدين وارتضائه لهم .. وما كان للأميين أن يكونوا أوصياء على هذه البشرية لو لا هذه النعمة ؛ وما كان لهم ـ وليس لهم بعد ـ من زاد يقدمونه للبشرية إلا ما يزودهم به هذا الدين ..
وفي هذا النداء الإلهي لأهل الكتاب ، يسجل عليهم أنهم مدعوون إلى الإسلام. مدعوون للإيمان بهذا الرسول ونصره وتأييده ، كما أخذ عليهم ميثاقه. ويسجل عليهم شهادته ـ سبحانه ـ بأن هذا النبي الأمي هو رسوله إليهم ـ كما أنه رسول إلى العرب ، وإلى الناس كافة ـ فلا مجال لإنكار رسالته من عند الله أولا ؛ ولا مجال للادعاء بأن رسالته مقتصرة على العرب ، أو ليست موجهة إلى أهل الكتاب ثانيا :
(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا ، يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) ..
فهو رسول الله إليكم. ودوره معكم أن يبين لكم ويوضح ويكشف ، ما تواطأتم على إخفائه من حقائق كتاب الله الذي معكم .. سواء في ذلك اليهود والنصارى .. وقد أخفى النصارى الأساس الأول للدين .. التوحيد .. وأخفى اليهود كثيرا من أحكام الشريعة ؛ كرجم الزاني ، وتحريم الربا كافة. كما أخفوا جميعا خبر بعثة النبي الأمي (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) .. كما أنه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يعفو عن
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
