كذلك تبين السورة للأمة المسلمة ـ بعد هذا كله ـ جسامة التبعة الملقاة على عاتقها ، وضخامة الدور المقدر لها ، وحكمة إعدادها وتطهيرها وتصفية رواسب الجاهلية في ضميرها وفي حياتها ، وضرورة أخذها هذا الأمر بما يستحق من يقظة وقوة ، وأداء للتكاليف التي يتطلبها هذا الدور الضخم ، بما في ذلك من جهاد في عالم النفس وجهاد في عالم الواقع ، وتضحيات ثقال ..
وقد سارت السورة في طريقها هذا ، في كل حلقاتها الماضية ، وبقيتها في هذا الجزء ، بقية من هذا المنهج ، على نفس الطريق ..
* * *
يبدأ هذا الجزء بطرف من تطهير النفس وتطهير المجتمع ، وإشاعة الثقة في جو الجماعة المسلمة ، واستبعاد قالة السوء فيها ـ مع الانتصاف من الظلم ـ والحض على العفو والسماحة ، وتقرير أن الله لا يحب الجهر بالسوء ـ إلا من مظلوم ينتصف لظلمه ـ ومع هذا فإنه سبحانه يحب العفو عن السوء ، وهو «عفو» «قدير».
ثم بيان لطبيعة التصور الإسلامي ، الذي يجعل دين الله واحدا ، ويجعل رسل الله موكبا يحمل هذا الدين الواحد ؛ ويجعل التفرقة بين الرسل ، والتفرقة بين ما جاءوا به كفرا صراحا .. هذا البيان يجيء بصدد التنديد باليهود ـ من أهل الكتاب ـ الذين ينكرون النبوة والأنبياء ـ بعد أنبيائهم ـ تعصبا وحقدا.
ومن هنا تبدأ جولة مع اليهود تكشف عن تعنتهم مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم : موسى ـ عليهالسلام ـ مما يكشف عن طبيعة السوء فيهم ، وموقفهم تجاه الحق ودعوته أيا كان الداعي إلى هذا الحق ؛ ولو كان هو نبيهم الأكبر موسى ، وكذلك موقفهم من عيسى عليهالسلام وأمه وإطلاق قالة السوء فيها ـ مما يكرهه الله ولا يحبه ـ فيبدو عندئذ موقفهم من الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ومن دعوة الحق الأخيرة مفهوما ومكشوفا! وبمناسبة دعاوى اليهود على المسيح عليهالسلام ، وتبجحهم بقتله! يقرر القرآن حقيقة الأمر ، وطبيعة هذا الزعم. ويذكر كيف عاقب الله اليهود على ظلمهم وصدهم عن سبيل الله ، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ، وأكلهم أموال الناس بالباطل .. بحرمانهم من بعض الطيبات التي أحلت لهم في الدنيا ، وبالعذاب الأليم الذي ينتظرهم في الآخرة. مستثنيا الراسخين في العلم والمؤمنين الذين عرفوا الحق وآمنوا به واتبعوه ..
ويرد على تكذيب اليهود برسالة النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بتقرير أنها أمر طبيعي مألوف لا يثير عجبا ولا غرابة ولا استنكارا. إذ هو جاء على سنة الله في إرسال الرسل للبشر ؛ من لدن نوح عليهالسلام ؛ ثم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وداود .. وغيرهم ممن يقر اليهود برسالة بعضهم وينكرون رسالة بعضهم تعنتا وحقدا. وهو الأمر الطبيعي أن يرسل الله لعباده رسلا مبشرين ومنذرين .. (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) .. فهو أمر ضروري ، فوق أنه طبيعي ..
وفي مقابل إنكار اليهود يقرر شهادة الله ـ سبحانه ـ وشهادة الملائكة. وكفى بالله شهيدا. ويتوعد الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله .. الذين كفروا وظلموا .. يتوعدهم ألا يغفر الله لهم وألا يهديهم سبيلا إلا سبيل جهنم خالدين فيها أبدا .. ويعقب على هذا بنداء للناس كافة ، وإعلانهم أن هذا الرسول قد جاءهم بالحق من ربهم ، ودعوتهم إلى الإيمان ، وإلا فإن لله ما في السماوات والأرض. وقد شهد بصحة هذه الرسالة ودعاهم إلى الإيمان بها ، فهم إذن وما يختارون لأنفسهم بإزاء دعوة ممن له ما في السماوات والأرض.
وهكذا تنتهي هذه الجولة مع اليهود من أهل الكتاب. وقد كشفت عن طبيعتهم ووسائلهم وعادة السوء فيهم من قديم ، وردت كيدهم بهذا الكشف ، وقررت كلمة الحق في رسالة محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
