بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هذا الجزء السادس مؤلف من شطرين : الشطر الأول تتمة سورة النساء ؛ التي بدأت في أواخر الجزء الرابع ، واستغرقت الجزء الخامس كله ؛ وبقيتها في هذا الجزء .. والشطر الثاني ـ وهو معظم هذا الجزء ـ من سورة المائدة.
وسنقصر الحديث ـ في هذا الموضع ـ عن الشطر الأول من هذا الجزء ؛ ونؤجل الحديث عن شطره الثاني إلى موضعه ؛ لنستعرض «شخصية» سورة المائدة وجوها وموضوعاتها على المنهج الذي اتبعناه في هذا الكتاب .. بعون من الله.
* * *
تمضي بقية سورة النساء على منهج السورة الذي أوضحناه في التقديم لها في الجزء الرابع (١) ، والذي يحسن أن نشير إليه ملخصا هنا في أخصر صورة :
إن هذه السورة تعالج بناء التصور الإسلامي الصحيح ، في ضمير الجماعة المسلمة التي التقطها الإسلام من سفح الجاهلية ، ليرقى بها صعدا في الطريق الصاعد ، إلى القمة السامقة ؛ وتخليص هذا الضمير من رواسب الجاهلية ، التي تغبش الصورة! أو ـ كما قلنا هناك ـ محو الملامح الجاهلية وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة .. ثم تعالج ـ على ضوء التصور الجديد ـ ضمير الأمة المسلمة ، وخلقها ، وتقاليدها الاجتماعية ، وتخلصه من رواسب الجاهلية في الخلق والتقاليد ؛ كما خلصته من رواسب الجاهلية في التصور والاعتقاد. وتنظم حياتها الاجتماعية ، وروابطها العائلية ، على أساس المنهج الرباني القويم.
وهي ـ في أثناء هذا وذلك ـ تواجه العقائد المنحرفة ، وتواجه أصحاب هذه العقائد ، سواء منهم المشركون أو أهل الكتاب من اليهود والنصارى ؛ وتصحح هذه العقائد وتقرر وجه الحق في الانحرافات التي تفسدها.
ثم تخوض بالجماعة المسلمة معركة حامية مع أهل الكتاب بصفة عامة ، واليهود من أهل الكتاب بصفة خاصة. فهم الذين وقفوا للدعوة الجديدة منذ أن وصل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى المدينة ، ومنذ أن تبين اليهود خطر هذه الدعوة الجديدة على كيانهم ووضعهم الممتاز في يثرب ، ودعاويهم في التفرد بالقرب من الله ، وأنهم شعب الله المختار ، ومن ثم حربهم للدعوة الجديدة بكل سلاح! والسورة تكشف طبيعتهم ووسائلهم ، وتاريخهم مع أنبيائهم أنفسهم ، مما يصور موقفهم من دعوة الحق أياً كان ممثلها ، ولو كان هو نبيهم وقائدهم ومنقذهم!
__________________
(١) ص ٥٥٤ ـ ص ٥٧١ من الجزء الرابع.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
