وأقامت الحجة على الناس بشهادة الله سبحانه .. فوق ما قررته من جسامة تبعة الرسل ، وأصحاب دعوة الحق ، فهي إقامة الحجة على الناس من جانب ، ومن الجانب الآخر أن أمر الناس كلهم معلق بأعناق الرسل والمؤمنين برسالتهم ، لينجو الناس من عقاب الله ؛ أو يستحقوه عن بينة .. وهي تبعة خطيرة جسيمة.
* * *
فإذا انتهت هذه الجولة مع اليهود ؛ وأنصف الله عيسى بن مريم وأمه منهم ؛ وكذب دعاوى السوء اليهودية عن عيسى وعن مريم .. بدأت الجولة الثانية مع النصارى ـ أتباع عيسى عليهالسلام ـ لتصحيح غلوهم في أمر المسيح ـ عبد الله ونبيه ـ وكفهم عن هذا الغلو ، وتقرير الحق في شأنه : فهو عبد الله لا يستنكف أن يكون عبدا لله. وكذلك الملائكة ـ تصحيحا لمزاعمهم عن روح القدس ـ ونفي التثليث ونفي الأبوة عن الله سبحانه وتعالى ..
وفي ثنايا هذا التصحيح يتقرر التصور الإسلامي الصحيح ، ويتمحض الأمر كله في أن يكون : ألوهية وعبودية .. ألوهية الله وحده ؛ وعبودية كل من عداه .. وهي القاعدة الكبرى في العقيدة الإسلامية ، والسمة البارزة ، والمقوم الأساسي ..
ومن ثم يجيء التبشير للمؤمنين ، والإنذار للكافرين المستنكفين عن العبودية لله ؛ ويجيء إعلان عام للناس كالذي ختمت به الجولة الأولى مع اليهود ، بأنه قد جاء للناس برهان من ربهم ونور مبين ، فلا حجة ولا شبهة ولا معذرة للمتخلفين.
* * *
وتختم السورة بآية تحتوي بقية في أحكام المواريث في حالة الكلالة. وقد سبق في السورة حكم بعض الحالات. وهذه بقيتها .. وهي بقية من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي الجديد الذي جاء الإسلام ليقيم على أساسه حياة الجماعة المسلمة ؛ ويحولها ـ كما قلنا في أول السورة ـ إلى أمة ، لها طابع الأمة المتميزة ونظامها وخصائصها المستقلة. لتؤدي دورها الضخم في الحياة البشرية ؛ وفي المجتمع الإنساني. دور القيادة والوصاية والتقويم.
وهكذا يبدو ـ من استعراض السورة كلها ، ثم استعراض هذا القطاع منها ـ أن التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، يسير مع التهذيب الخلقي ، مع تصحيح العقيدة والتصور ، مع خوض المعركة مع الأعداء المتربصين بالجماعة المسلمة ، مع بيان ضخامة التبعة والدور الذي على هذه الجماعة أن تقوم به .. وأن القرآن ـ كتاب هذه الدعوة ودستور هذه الأمة ـ ينهض بهذا كله .. في صورة شاملة كاملة متوازنة دقيقة. صورة تجعل من الحتم على كل من يريد إعادة بناء هذه الأمة وإحياءها وبعثها ، لتنهض من جديد بتبعاتها ودورها ، أن يتخذ من هذا القرآن منهجا لدعوته ، ومنهجا لحركته ، ومنهجا لكل خطوة في طريق الإحياء والبعث وإعادة البناء .. والقرآن حاضر لأداء دوره الذي أداه أول مرة. وهو خطاب الله الباقي للنفس البشرية في كل أطوارها. لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد .. كما يقول عنه أعرف الناس به ـ صلىاللهعليهوسلم ـ الذي جاهد به الكفار والمنافقين وأهل الكتاب المنحرفين ؛ وأقام به هذه الأمة المتفردة في تاريخ الناس أجمعين ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
