من الجاهلية ، وإشفاق من كل ما كان فيها من تقاليد وعادات وأوضاع وأحكام. مع شدة إحساسهم بقيمة هذا التغيير الكامل الذي أنشأه الإسلام في حياتهم. أو بتعبير أدق بقيمة هذا الميلاد الجديد الذي ولدوه على يدي الإسلام.
وهنا نجد جزاء تطلعهم لله ، وجزاء حرارتهم ، وصدق عزيمتهم على الاتباع .. نجد جزاء هذا كله عناية من الله ورعاية .. بأنه سبحانه ـ بذاته العلية ـ يتولى إفتاءهم فيما يستفتون فيه :
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ. قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ...) ..
فهم كانوا يستفتون الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والله ـ سبحانه ـ يتفضل فيقول للنبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قل : إن الله يفتيكم فيهن وفي بقية الشؤون التي جاء ذكرها في الآية. وهي لفتة لها قيمتها التي لا تقدر ، في عطف الله سبحانه ، وتكريمه للجماعة المسلمة ؛ وهو يخاطبها بذاته ؛ ويرعاها بعينه ؛ ويفتيها فيما تستفتي ، وفيما تحتاج إليه حياتها الجديدة.
وقد تناولت الفتوى هنا تصوير الواقع المترسب في المجتمع المسلم من الجاهلية التي التقطه المنهج الرباني منها. كما تناولت التوجيه المطلوب ، لرفع حياة المجتمع المسلم وتطهيرها من الرواسب :
(قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ؛ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ. وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ. وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ ..).
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية : كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه. فإذا فعل ذلك فلم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً. وإن كانت جميلة وهويها تزوجها ، وأكل مالها. وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت. فإذا ماتت ورثها. فحرم الله ذلك ونهى عنه .. وقال في قوله : (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ) كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات. وذلك قوله : (لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ) .. فنهى الله عن ذلك ؛ وبين لكل ذي سهم سهمه فقال : للذكر مثل حظ الأنثيين ، صغيرا أو كبيرا ..
وقال سعيد بن جبير في قوله : (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) .. كما إذا كانت ذات جمال وقال نكحتها واستأثرت بها ، كذلك وإذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ : ويستفتونك في النساء. قل : الله يفتيكم فيهن. ـ إلى قوله : (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) قالت عائشة : هو الرجل تكون عنده اليتيمة ، هو وليها ووارثها ، فأشركته في ماله ، حتى في العذق ، فيرغب أن ينكحها (١) ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته ، فيعضلها فنزلت الآية (أخرجه البخاري ومسلم).
وقال ابن أبي حاتم : قرأت مع محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير قالت عائشة : «ثم إن الناس استفتوا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بعد هذه الآية فيهن. فأنزل الله : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ : اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ، وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ) ... الآية ... قالت. والذي ذكر الله أنه يتلى في الكتاب : الآية الأولى التي قال الله : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ...). وبهذا الإسناد عن عائشة قالت : «وقول الله عزوجل :
__________________
(١) أي يرغب عن نكاحها ولا يريد أن يتزوجها لدمامتها.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
