(وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) .. رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء ـ إلا بالقسط ـ من أجل رغبتهم ، هن».
وظاهر من هذه النصوص ، ومن النص القرآني. ما كان عليه الحال في الجاهلية ؛ فيما يختص بالفتيات اليتيمات. فقد كانت اليتيمة تلقى من وليها الطمع والغبن : الطمع في مالها ، والغبن في مهرها ـ إن هو تزوجها ـ فيأكل مهرها ويأكل مالها. والغبن إن لم يتزوجها كراهية لها لأنها دميمة. ومنعها أن تتزوج حتى لا يشاركه زوجها فيما تحت يده من مالها!
كذلك كان الحال في الولدان الصغار والنساء ، إذ كانوا يحرمونهم من الميراث لأنهم لا يملكون القوة التي يدفعون بها عن ميراثهم ؛ أو أنهم غير محاربين ، فلا حق لهم في الميراث ، تحت تأثير الشعور القبلي ، الذي يجعل للمحاربين في القبيلة كل شيء. ولا شيء للضعاف!
وهذه التقاليد الشائهة البدائية ، هي التي أخذ الإسلام يبدلها ، وينشىء مكانها تقاليد إنسانية راقية لا تعد ـ كما قلنا ـ مجرد وثبة ، أو نهضة ، في المجتمع العربي. إنما هي في حقيقتها نشأة أخرى ، وميلاد جديد ، وحقيقة أخرى لهذه الأمة غير حقيقتها الجاهلية!
والمهم الذي يجب أن نسجله : هو أن هذه النشأة الجديدة ، لم تكن تطوراً مسبوقاً بأية خطوات تمهيدية له ؛ أو أنه انبثق من واقع مادي تغير فجأة في حياة هذا الشعب!
فالنقلة من إقامة حقوق الإرث والملك على أساس حق المحارب إلى إقامتها على أساس الحق الإنساني ، وإعطاء الطفل واليتيمة والمرأة حقوقهم بصفتهم الإنسانية ، لا بصفتهم محاربين! هذه النقلة لم تنشأ لأن المجتمع قد انتقل إلى أوضاع مستقرة لا قيمة فيها للمحاربين. ومن ثم قضى على الحقوق المكتسبة للمحاربين ، لأنه لم يعد في حاجة إلى تمييزهم!
كلا! فقد كان للمحاربين في العهد الجديد قيمتهم كلها ؛ وكانت الحاجة إليهم ماسة! ولكن كان هناك .. الإسلام .. كان هناك هذا الميلاد الجديد للإنسان. الميلاد الذي انبثق من خلال كتاب ؛ ومن خلال منهج ؛ فأقام مجتمعا جديدا وليدا. على نفس الأرض. وفي ذات الظروف. وبدون حدوث انقلاب لا في الإنتاج وأدواته! ولا في المادة وخواصها! وإنما مجرد انقلاب في التصور هو الذي انبثق منه الميلاد الجديد.
وحقيقة أن المنهج القرآني قد كافح. وكافح طويلا. لطمس ومحو معالم الجاهلية في النفوس والأوضاع ، وتخطيط وتثبيت المعالم الإسلامية في النفوس والأوضاع .. وحقيقة كذلك أن رواسب الجاهلية ظلت تقاوم ؛ وظلت تعاود الظهور في بعض الحالات الفردية ؛ أو تحاول أن تعبر عن نفسها في صور شتى ..
ولكن المهم هنا : هو أن المنهج المتنزل من السماء ، والتصور الذي أنشأه هذا المنهج كذلك ، هو الذي كان يكافح «الواقع المادي» ويعدله ويبدله .. ولم يكن قط أن الواقع المادي أو «النقيض» (١) الكامن فيه ؛ أو تبدل وسائل الإنتاج .. أو شيء من هذا «الهوس الماركسي»! هو الذي اقتضى تغيير التصورات ومناهج الحياة ، وأوضاعها ، لتلائم هذا التبدل الذي تفرضه وسائل الإنتاج!
كان هناك فقط شيء جديد واحد في حياة هذا الشعب .. شيء هبط عليه من الملأ الأعلى .. فاستجابت له نفوس ، لأنه يخاطب فيها رصيد الفطرة ، الذي أودعه الله فيها .. ومن ثم وقع هذا التغيير. بل تم هذا الميلاد
__________________
(١) تعبير المادية الجدلية ، الذي تفسر به التغيرات التاريخية!
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
