وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً)(١٣٤)
هذا الدرس تكملة لما بدأت به السورة من علاج رواسب المجتمع الجاهلي ، فيما يختص بالمرأة والأسرة ؛ وفيما يختص بمعاملة الضعاف في المجتمع كاليتامى والأطفال. وتنقية المجتمع المسلم من هذه الرواسب ؛ وإقامة البيت فيه على أساس من كرامة شطري النفس الواحدة ؛ ورعاية مصالحهما معاً ، وتقوية روابط الأسرة وإصلاح ما يشجر في جوها من خلاف ، قبل أن يستفحل ، فيؤدي إلى تقطيع هذه الروابط ، وتحطيم البيوت على من فيها ، وبخاصة على الذرية الضعيفة الناشئة في المحاضن .. وإقامة المجتمع كذلك على أساس من رعاية الضعاف فيه ؛ كي لا يكون الأمر للأغلب ؛ وتكون شريعة الغاب هي التي تتحكم!
وهذا الدرس يعالج بعض هذه الشؤون ، ويربطها بنظام الكون كله .. مما يشعر معه المخاطب بهذه الآيات ، أن أمر النساء والبيوت والأسرة والضعاف في المجتمع ، هو أمر خطير كبير .. وهو في حقيقته أمر خطير كبير .. وقد تحدثنا في ثنايا هذا الجزء ، وفي مقدمات السورة في الجزء الرابع ، بما فيه الكفاية عن نظرة الإسلام إلى الأسرة ؛ وعن الجهد المبذول في هذا المنهج لتخليص المجتمع المسلم من رواسب الجاهلية ، ومن رفع مستواه النفسي والاجتماعي والخلقي ، بما يكفل تفوقه على المجتمعات كلها من حوله ، وعلى كل مجتمع آخر لا يدين بهذا الدين ، ولا يتربى بهذا المنهج ، ولا يخضع لنظامه الفريد.
والآن نواجه نصوص هذا الدرس بالتفصيل :
* * *
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ. قُلِ : اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ، وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ ؛ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً) ..
لقد أثارت الآيات التي نزلت في أوائل السورة عن النساء أسئلة واستفتاءات في بعض شأنهن .. وظاهرة سؤال المسلمين واستفتائهم في بعض الأحكام ، ظاهرة لها دلالتها في المجتمع المسلم الناشئ ؛ وفي رغبة المسلمين في معرفة أحكام دينهم في شؤون حياتهم. فقد كانت الهزة التي أحدثتها النقلة من الجاهلية إلى الإسلام في نفوسهم هزة عميقة ، بحيث أصبحوا يشكون ويشفقون من كل أمر كانوا يأتونه في الجاهلية ، مخافة أن يكون الإسلام قد نسخه ، أو عدله. ويتطلبون أن يعرفوا حكم الإسلام في كل ما يعرض لهم في حياتهم اليومية من الشؤون. وهذه اليقظة وهذه الرغبة في مطابقة أحوالهم لأحكام الإسلام ، هي العنصر البارز في هذه الفترة ـ على الرغم من بقاء بعض رواسب الجاهلية في حياتهم ـ فالمهم هو رغبتهم الحقيقية القوية في مطابقة أحوالهم لأحكام الإسلام ؛ والاستفسار عن بعض الأحكام بهذه الروح. لا لمجرد الاستفتاء ولا لمجرد العلم والمعرفة والثقافة! كمعظم ما يوجه إلى المفتين في هذه الأيام من استفتاءات!
لقد كانت بالقوم حاجة إلى معرفة أحكام دينهم ، لأنها هي التي تكوّن نظام حياتهم الجديدة. وكانت بهم حرارة لهذه المعرفة. لأن الغرض منها هو إيجاد التطابق بين واقع حياتهم وأحكام دينهم. وكان بهم انخلاع
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
