الألوهية ؛ والاعتراف لبعض البشر بهذه الخصائص. كإشراك اليهود والنصارى الذي حكاه القرآن من أنهم (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) ولم يكونوا عبدوهم مع الله. ولكن كانوا فقط اعترفوا لهم بحق التشريع لهم من دون الله. فحرموا عليهم وأحلوا لهم. فاتبعوهم في هذا. ومنحوهم خاصية من خصائص الألوهية! فحق عليهم وصف الشرك. وقيل عنهم إنهم خالفوا ما أمروا به من التوحيد (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً). فيقيموا له وحده الشعائر ، ويتلقوا منه وحده الشرائع والأوامر.
ولا غفران لذنب الشرك ـ متى مات صاحبه عليه ـ بينما باب المغفرة مفتوح لكل ذنب سواه .. عند ما يشاء الله .. والسبب في تعظيم جريمة الشرك ، وخروجها من دائرة المغفرة ، أن من يشرك بالله يخرج عن حدود الخير والصلاح تماما ؛ وتفسد كل فطرته بحيث لا تصلح أبدا :
(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) ..
ولو بقي خيط واحد صالح من خيوط الفطرة لشده إلى الشعور بوحدانية ربه ؛ ولو قبل الموت بساعة .. فأما وقد غرغر ـ وهو على الشرك ـ فقد انتهى أمره وحق عليه القول :
(وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ. وَساءَتْ مَصِيراً!).
* * *
ثم يصف بعض أوهام الجاهلية العربية في شركها. وأساطيرها حول اتخاذ الله بنات ـ هن الملائكة ـ وحول عبادتهم للشيطان ـ وقد عبدوه كما عبدوا الملائكة وتماثيلها الأصنام ـ كما يصف بعض شعائرهم في تقطيع أو تشقيق آذان الأنعام المنذورة للآلهة! وفي تغيير هم خلق الله. والشرك بالله. وهو مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها :
(إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً ، وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ، لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ، وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ؛ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ .. وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً. يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً).
لقد كان العرب ـ في جاهليتهم ـ يزعمون أن الملائكة بنات الله. ثم يتخذون لهذه الملائكة تماثيل يسمونها أسماء الإناث : (اللَّاتَ. وَالْعُزَّى. وَمَناةَ) وأمثالها ثم يعبدون هذه الأصنام ـ بوصفها تماثيل لبنات الله ـ يتقربون بها إلى الله زلفى .. كان هذا على الأقل في مبدأ الأمر .. ثم ينسون أصل الأسطورة ، ويعبدون الأصنام ذاتها ، بل يعبدون جنس الحجر ، كما بينا ذلك في الجزء الرابع.
كذلك كان بعضهم يعبد الشيطان نصا .. قال الكلبي : كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن ..
على أن النص هنا أوسع مدلولا ، فهم في شركهم كله إنما يدعون الشيطان ، ويستمدون منه : هذا الشيطان صاحب القصة مع أبيهم آدم ؛ الذي لعنه الله ، بسبب معصيته وعدائه للبشر. والذي بلغ من حقده بعد طرده ولعنته ، أن يأخذ من الله ـ سبحانه ـ إذنا بأن يغوي من البشر كل من لا يلجأ إلى حمى الله :
«إن يدعون من دونه إلا إناثا. وإن يدعون إلا شيطانا مريدا. لعنه الله. وقال : لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. ولأضلنهم ، ولأمنينهم ، ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله».
إنهم يدعون الشيطان ـ عدوهم القديم ـ ويسوحونه ويستمدون منه هذا الضلال. ذلك الشيطان الذي لعنه الله. والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء آدم ، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية ، من لذة كاذبة ، وسعادة موهومة ، ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف! كما صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة ،
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
