(وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) ..
فلا يكون لهوى في الصدقة على فلان ، أو الإصلاح بين فلان وعلان. ولا يكون ليشتهر الرجل بأنه ـ والله رجل طيب ـ! يحض على الصدقة والمعروف ، ويسعى في الإصلاح بين الناس! ولا تكون هناك شائبة تعكر صفاء الاتجاه إلى الله ، بهذا الخير. فهذا هو مفرق الطريق بين العمل يعمله المرء فيرضى الله عنه ويثيبه به. والعمل نفسه يعمله المرء فيغضب الله عليه ، ويكتبه له في سجل السيئات!
* * *
(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ـ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ـ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً. إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ـ لِمَنْ يَشاءُ ـ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً).
وقد ذكر في سبب نزول هذه المجموعة من الآيات. أن بشير بن أبيرق قد ارتد والتحق بالمشركين .. (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) .. فقد كان في صفوف المسلمين ، ثم اتبع غير سبيل المؤمنين .. ولكن النص عام ، ينطبق على كل حالة ، ويواجه كل حالة من مشاقة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ومشاقته كفر وشرك وردة ، ينطبق عليها ما ينطبق على ذلك الحادث القديم.
والمشاقة ـ لغة ـ أن يأخذ المرء شقا مقابلا للشق الذي يأخذه الآخر. والذي يشاق الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ هو الذي يأخذ له شقا وجانبا وصفا غير الصف والجانب والشق الذي يأخذه النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ومعنى هذا أن يتخذ له منهجا للحياة كلها غير منهجه ، وأن يختار له طريقا غير طريقه. فالرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ جاء يحمل من عند الله منهجا كاملا للحياة يشتمل على العقيدة والشعائر التعبدية ، كما يشتمل على الشريعة والنظام الواقعي لجوانب الحياة البشرية كلها .. وهذه وتلك كلتاهما جسم هذا المنهج ، بحيث تزهق روح هذا المنهج إذا شطر جسمه فأخذ منه شق وطرح شق! والذي يشاق الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ هو كل من ينكر منهجه جملة ، أو يؤمن ببعض ويكفر ببعض ، فيأخذ بشق منه ويطرح شقا!
وقد اقتضت رحمة الله بالناس ، ألا يحق عليهم القول ، ولا يصلوا جهنم وساءت مصيرا ، إلا بعد أن يرسل إليهم رسولا. وبعد أن يبين لهم. وبعد أن يتبينوا الهدى. ثم يختاروا الضلالة. وهي رحمة الله الواسعة الحانية على هذا المخلوق الضعيف. فإذا تبين له الهدى. أي إذا علم أن هذا المنهج من عند الله. ثم شاق الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فيه ، ولم يتبعه ويطعه ، ولم يرض بمنهج الله الذي تبين له ، فعندئذ يكتب الله عليه الضلال ، ويوليه الوجهة التي تولاها ، ويلحقه بالكفار والمشركين الذين توجه إليهم. ويحق عليه العذاب المذكور في الآية بنصه :
(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ـ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ـ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ. وَساءَتْ مَصِيراً!) ..
ويعلل النص هذا المصير البائس السيئ ، بأن مغفرة الله ـ سبحانه ـ تتناول كل شيء .. إلا أن يشرك به .. فهذه لا مغفرة لمن مات عليها :
(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ـ لِمَنْ يَشاءُ ـ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) .. والشرك بالله ـ كما أسلفنا في هذا الجزء عند تفسير مثل هذه الآية من قبل ـ يتحقق باتخاذ آلهة مع الله اتخاذا صريحا على طريقة الجاهلية العربية وغيرها من الجاهليات القديمة ـ كما يتحقق بعدم إفراد الله بخصائص
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
