عذرهم البين وعجزهم عن الفرار :
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ، لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً) ..
ويمضي هذا الحكم إلى آخر الزمان ؛ متجاوزا تلك الحالة الخاصة التي كان يواجهها النص في تاريخ معين ، وفي بيئة معينة .. يمضي حكما عاما ؛ يلحق كل مسلم تناله الفتنة في دينه في أية أرض ؛ وتمسكه أمواله ومصالحه ، أو قراباته وصداقاته ؛ أو إشفاقه من آلام الهجرة ومتاعبها. متى كان هناك ـ في الأرض في أي مكان ـ دار للإسلام ؛ يأمن فيها على دينه ، ويجهر فيها بعقيدته ، ويؤدي فيها عباداته ؛ ويحيا حياة إسلامية في ظل شريعة الله ، ويستمتع بهذا المستوي الرفيع من الحياة ..
* * *
أما السياق القرآني فيمضي في معالجة النفوس البشرية ؛ التي تواجه مشاق الهجرة ومتاعبها ومخاوفها ؛ وتشفق من التعرض لها. وقد عالجها في الآيات السابقة بذلك المشهد المثير للاشمئزاز والخوف معا. فهو يعالجها بعد ذلك ببث عوامل الطمأنينة ـ سواء وصل المهاجر إلى وجهته أو مات في طريقه ـ في حالة الهجرة في سبيل الله ؛ وبضمان الله للمهاجر منذ أن يخرج من بيته مهاجرا في سبيله. ووعده بالسعة والمتنفس في الأرض والمنطلق ، فلا تضيق به الشعاب والفجاج :
(وَمَنْ يُهاجِرْ ـ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً. وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ـ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ـ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ. وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) ..
إن المنهج الرباني القرآني يعالج في هذه الآية مخاوف النفس المتنوعة ؛ وهي تواجه مخاطر الهجرة ؛ في مثل تلك الظروف التي كانت قائمة ؛ والتي قد تتكرر بذاتها أو بما يشابهها من المخاوف في كل حين.
وهو يعالج هذه النفس في وضوح وفصاحة ؛ فلا يكتم عنها شيئا من المخاوف ؛ ولا يداري عنها شيئا من الأخطار ـ بما في ذلك خطر الموت ـ ولكنه يسكب فيها الطمأنينة بحقائق أخرى وبضمانة الله سبحانه وتعالى .. فهو أولا يحدد الهجرة بأنها «في سبيل الله» .. وهذه هي الهجرة المعتبرة في الإسلام. فليست هجرة للثراء ، أو هجرة للنجاة من المتاعب ، أو هجرة للذائذ والشهوات ، أو هجرة لأي عرض من أعراض الحياة. ومن يهاجر هذه الهجرة ـ في سبيل الله ـ يجد في الأرض فسحة ومنطلقا فلا تضيق به الأرض ، ولا يعدم الحيلة والوسيلة. للنجاة وللرزق والحياة :
(وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) ..
وإنما هو ضعف النفس وحرصها وشحها ؛ يخيل إليها أن وسائل الحياة والرزق ، مرهونة بأرض ، ومقيدة بظروف ، ومرتبطة بملابسات لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلا.
وهذا التصور الكاذب لحقيقة أسباب الرزق وأسباب الحياة والنجاة ؛ هو الذي يجعل النفوس تقبل الذل والضيم ، وتسكت على الفتنة في الدين ؛ ثم تتعرض لذلك المصير البائس. مصير الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. والله يقرر الحقيقة الموعودة لمن يهاجر في سبيل الله .. إنه سيجد في أرض الله منطلقا وسيجد فيها سعة. وسيجد الله في كل مكان يذهب إليه ، يحييه ويرزقه وينجيه ..
ولكن الأجل قد يوافي في أثناء الرحلة والهجرة في سبيل الله .. والموت ـ كما تقدم في سياق السورة ـ لا علاقة له بالأسباب الظاهرة ؛ إنما هو حتم محتوم عند ما يحين الأجل المرسوم. وسواء أقام أم هاجر ، فإن
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
