عن دينهم بالفعل هناك!
ولكن التعبير القرآني ـ على أسلوب القرآن ـ يعبر في صورة ، ويصور في مشهد حي نابض بالحركة والحوار : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ .. ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ .. قالُوا : فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا : كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ! قالُوا : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً ، فَتُهاجِرُوا فِيها)؟! ..
إن القرآن يعالج نفوسا بشرية ؛ ويهدف إلى استجاشة عناصر الخير والمروءة والعزة فيها ؛ وإلى مطاردة عوامل الضعف والشح والحرص والثقلة .. لذلك يرسم هذا المشهد .. إنه يصور حقيقة. ولكنه يستخدم هذه الحقيقة في موضعها أحسن استخدام ، في علاج النفس البشرية ..
ومشهد الاحتضار بذاته مشهد ترتجف له النفس البشرية ، وتتحفز لتصور ما فيه. وإظهار الملائكة في المشهد يزيد النفس ارتجافا وتحفزا وحساسية.
وهم ـ القاعدون ـ ظلموا أنفسهم. وقد حضرت الملائكة لتتوفاهم وهذا حالهم .. ظالمي أنفسهم. وهذا وحده كفيل بتحريك النفس وارتجافها. إذ يكفي أن يتصور المرء نفسه والملائكة تتوفاه وهو ظالم لنفسه ؛ وليس أمامه من فرصة أخرى لإنصاف نفسه ، فهذه هي اللحظة الأخيرة.
ولكن الملائكة لا يتوفونهم ـ ظالمي أنفسهم ـ في صمت. بل يقلبون ماضيهم ، ويستنكرون أمرهم! ويسألونهم : فيم أضاعوا أيامهم ولياليهم؟ وماذا كان شغلهم وهمهم في الدنيا :
(قالُوا : فِيمَ كُنْتُمْ؟) ..
فإن ما كانوا فيه ضياع في ضياع ؛ كأن لم يكن لهم شغل إلا هذا الضياع!
ويجيب هؤلاء المحتضرون ، في لحظة الاحتضار ، على هذا الاستنكار ، جوابا كله مذلة ، ويحسبونه معذرة على ما فيه من مذلة.
(قالُوا : كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) ..
كنا مستضعفين. يستضعفنا الأقوياء. كنا أذلاء في الأرض لا نملك من أمرنا شيئا.
وعلى كل ما في هذا الرد من مهانة تدعو إلى الزراية ؛ وتنفر كل نفس من أن يكون هذا موقفها في لحظة الاحتضار ، بعد أن يكون هذا موقفها طوال الحياة .. فإن الملائكة لا يتركون هؤلاء المستضعفين الظالمي أنفسهم. بل يجبهونهم بالحقيقة الواقعة ؛ ويؤنبونهم على عدم المحاولة ، والفرصة قائمة :
(قالُوا : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها؟!) ..
إنه لم يكن العجز الحقيقي هو الذي يحملهم ـ إذن ـ على قبول الذل والهوان والاستضعاف ، والفتنة عن الإيمان .. إنما كان هناك شيء آخر .. حرصهم على أموالهم ومصالحهم وأنفسهم يمسكهم في دار الكفر ، وهناك دار الإسلام. ويمسكهم في الضيق وهناك أرض الله الواسعة. والهجرة إليها مستطاعة ؛ مع احتمال الآلام والتضحيات.
وهنا ينهي المشهد المؤثر ، بذكر النهاية المخيفة :
(فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ، وَساءَتْ مَصِيراً) ..
ثم يستثني من لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر ؛ والتعرض للفتنة في الدين ؛ والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشيوخ الضعاف ، والنساء والأطفال ؛ فيعلقهم بالرجاء في عفو الله ومغفرته ورحمته. بسبب
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
