الأجل لا يستقدم ولا يستأخر.
غير أن النفس البشرية لها تصوراتها ولها تأثراتها بالملابسات الظاهرة ... والمنهج يراعي هذا ويعالجه. فيعطي ضمانة الله بوقوع الأجر على الله منذ الخطوة الأولى من البيت في الهجرة إلى الله ورسوله :
(وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ـ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ـ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) ..
أجره كله. أجر الهجرة والرحلة والوصول إلى دار الإسلام والحياة في دار الإسلام .. فماذا بعد ضمان الله من ضمان؟
ومع ضمانة الأجر التلويح بالمغفرة للذنوب والرحمة في الحساب. وهذا فوق الصفقة الأولى.
(وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً).
إنها صفقة رابحة دون شك. يقبض فيها المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى ـ خطوة الخروج من البيت مهاجرا إلى الله ورسوله ـ والموت هو الموت. في موعده الذي لا يتأخر. والذي لا علاقة له بهجرة أو إقامة. ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده. ولخسر الصفقة الرابحة. فلا أجر ولا مغفرة ولا رحمة. بل هنالك الملائكة تتوفاه ظالما لنفسه!
وشتان بين صفقة وصفقة! وشتان بين مصير ومصير!
* * *
ويخلص لنا من هذه الآيات التي استعرضناها من هذا الدرس ـ إلى هذا الموضع ـ عدة اعتبارات ، نجملها قبل أن نعبر إلى بقية الدرس وبقية ما فيه من موضوعات :
يخلص لنا منها مدى كراهية الإسلام للقعود عن الجهاد في سبيل الله ؛ والقعود عن الانضمام للصف المسلم المجاهد .. اللهم إلا من عذرهم الله من أولي الضرر ، ومن العاجزين عن الهجرة لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ..
ويخلص لنا منها مدى عمق عنصر الجهاد وأصالته في العقيدة الإسلامية ، وفي النظام الإسلامي ، وفي المقتضيات الواقعية لهذا المنهج الرباني .. وقد عدته الشيعة ركنا من أركان الإسلام ـ ولهم من قوة النصوص ومن قوة الواقع ما يفسر اتجاههم هذا. لو لا ما ورد في حديث : «بني الإسلام على خمس ...» ولكن قوة التكليف بالجهاد ؛ وأصالة هذا العنصر في خطر الحياة الإسلامية ؛ وبروز ضرورته في كل وقت وفي كل أرض ـ الضرورة التي تستند إلى مقتضيات فطرية لا ملابسات زمنية ـ كلها تؤيد هذا الشعور العميق بجدية هذا العنصر وأصالته.
ويخلص لنا كذلك أن النفس البشرية هي النفس البشرية ؛ وأنها قد تحجم أمام الصعاب ، أو تخاف أمام المخاطر ، وتكسل أمام العقبات ، في خير الأزمنة وخير المجتمعات. وأن منهج العلاج في هذه الحالة ، ليس هو اليأس من هذه النفوس. ولكن استجاشتها ، وتشجيعها ، وتحذيرها ، وطمأنتها في آن واحد. وفق هذا المنهج القرآني الرباني الحكيم.
وأخيرا يخلص لنا كيف كان هذا القرآن يواجه واقع الحياة ؛ ويقود المجتمع المسلم ؛ ويخوض المعركة ـ في كل ميادينها ـ وأول هذه الميادين هو ميدان النفس البشرية ؛ وطبائعها الفطرية ، ورواسبها كذلك من الجاهلية. وكيف ينبغي أن نقرأ القرآن ، ونتعامل معه ونحن نواجه واقع الحياة والنفس بالدعوة إلى الله.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
