بهذه الامور فكيف بعث أنبياءه للدعوة إلى التوحيد؟!
إنّ دعوة الأنبياء أقوى دليل على حرية الإرادة الإنسانية ، واختيار البشر.
ثم يقول سبحانه : قل لهم يا محمّد : هل لكم برهان قاطع ومسلم على ما تدّعونه؟ هاتوه إن كان : (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا).
ثم يضيف في النهاية : إنّ ما تتبعونه ليس سوى أَوهام وخيالات فجّة : (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ).
وفي الآية اللاحقة يذكر دليلاً آخر لإبطال ادعاء المشركين ، ويقول : قل إنّ الله أقام براهين جلية ودلائل واضحة وصحيحة على وحدانيته ، وهكذا أقام أحكام الحلال والحرام سواء بواسطة أنبيائه أو بواسطة العقل ، بحيث لم يبق أيّ عذر لمعتذر : (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ).
وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يدّعي أحدٌ أبداً أنّ الله أمضى ـ بسكوته ـ عقائدهم وأعمالهم الباطلة ، وكذلك لايسعهم قط أن يدّعوا أنّهم كانوا مجبورين ، لأنّهم لو كانوا مجبورين لكان إقامة الدليل والبرهان ، وإرسال الأنبياء وتبليغهم ودعوتهم لغواً ، إنّ إقامة الدليل دليل على حرية الإرادة.
ثم يقول في ختام الآية : ولو شاء الله أن يهديكم جميعاً بالجبر لفعل : (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَيكُمْ أَجْمَعِينَ).
ولكن في مثل هذه الصورة لم يكن لمثل هذا الإيمان ولا للأعمال التي تصدر في ضوء هذا الإيمان الجبري القسري أيّة قيمة ، إنّما فضيلة الإنسان وتكامله في أن يسلك طريق الهداية والتقوى بقدميه وبإرادته وإختياره.
وفي الآية التالية ـ ولكي يتضح بطلان أقوالهم ، ومراعاة لُاسس القضاء والحكم الصحيح ـ دعا المشركين ليأتوا بشهدائهم المعتبرين لو كان لهم ، لكي يشهدوا لهم بأنّ الله هو الذي حرّم الحيوانات والزروع التي ادعوا تحريمها ، لهذا يقول : (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذَا).
ثم يضيف قائلاً : إذا كانوا لا يملكون مثل هؤلاء الشهداء المعتبرين (ولا يملكون حتماً) بل يكتفون بشهادتهم وادّعائهم أنفسهم فقط ، فلا تشهد معهم ولا تؤيّدهم في دعاويهم : (فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ).
هذا مضافاً إلى أنّ جميع القرائن تشهد بأنّ هذه الأحكام ما هي إلّاأحكام مصطنعة
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
