ورد وصف مصير الظالمين من أتباع الشياطين يوم القيامة في الآيات السابقة ولكيلا يظن أحد أنّهم في حالة من الغفلة ارتكبوا ما ارتكبوه من إثم ، تبين هذه الآيات أنّ تحذيرهم قد تمّ بما فيه الكفاية وتمّت عليهم الحجة ، لذلك يقال لهم يوم القيامة : (يَا مَعْشَرَ الْجِنّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْءَايَاتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا).
«معشر» : من العدد «عشرة» ، وبما أنّ العشرة تعتبر عدداً كاملاً ، فالمعشر هي الجماعة الكاملة التي تضمّ مختلف الطوائف والأصناف.
ثم تقول الآية : (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا) لأنّ يوم القيامة ليس يوم الكتمان ، بل إنّ دلائل كل شيء تكون بادية للعيان ، وما من أحد يستطيع أن يخفي شيئاً ، فالجميع يعترفون أمام هذا السؤال الإلهي قائلين : إنّنا نشهد ضدّ أنفسنا ونعترف أنّ الرسل قد جاؤونا وأبلغونا رسالاتك ولكنّنا خالفناها.
نعم ... لقد كانت أمامهم آيات ودلائل كثيرة من الله ، وكان يميّزون الخطأ من الصواب ، إلّا أنّ الحياة الدنيا ببريقها ومظاهرها قد خدعتهم وأضلتهم : (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا).
مرّة اخرى يؤكد القرآن أنّهم شهدوا على أنفسهم بألسنتهم بأنّهم قد ساروا في طريق الكفر ووقفوا إلى جانب منكري الله : (وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ).
الآية التالية تعيد المضمون السابق بصورة قانون عام وسنّة ثابتة ، وهي : أنّ الله لا يأخذ الناس في المدن والمناطق المسكونة بظلمهم إذا كانوا غافلين ، إلّابعد أن يرسل إليهم الرسل لينبّهوهم إلى قبيح أعمالهم ، ويحذّروهم من مغبّة أفعالهم : (ذلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ).
قد تعني «بظلم» أنّ الله لا يظلم أحداً بأن يعاقبه عمّا فعل وهو غافل ، لأنّ معاقبتهم بهذه الصورة تعتبر ظلماً ، والله أرفع من أن يظلم أحداً.
وتذكر الآية الثالثة خلاصة ما ينتظر هؤلاء من مصير ، وتقرر أنّ لكل من هؤلاء ـ الأخيار والأشرار ، المطيعين والعصاة ، طالبي العدالة والظالمين ـ درجات ومراتب يوم القيامة تبعاً لأعمالهم ، وإنّ ربك لا يغفل عن أعمالهم ، بل يعلمها جميعاً ، ويجزي كلاً بقدر ما يستحق : (وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ).
هذه الآية تؤكد مرّة اخرى الحقيقة القائلة بأنّ جميع «الدرجات» و «الدركات» التي يستحقها الإنسان إنّما هي وليدة أعماله ، لا غير.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
