فيواجه التابعون والمتبوعون سؤالاً لا جواب لديهم عليه. تذكّر الآية في البداية بذلك اليوم الذي يجتمع فيه الجن والإنس ، ثم يقال يا أيّها المضلون من الجن لقد أضللتم كثيراً من الناس : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِنَ الْإِنسِ).
«الجن» هنا هم الشياطين ، لأنّ كلمة الجن تشمل كل كائن غير مرئي والآية (٥٠) من سورة الكهف تذكر عن رئيس الشياطين ، إبليس إنّه (كَانَ مِنَ الْجِنِّ).
ويبدو أنّ الشياطين المضلين لا جواب لديهم على هذا السؤال ويطرقون صامتين ، غير أنّ أتباعهم من البشر يقولون : ربّنا ، هؤلاء استفادوا منّا كما إنّنا استفدنا منهم حتى جاء أجلنا : (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا). أي كان شياطيننا فرحين بسيطرتهم علينا وكنّا نتبعهم مستسلمين ، أمّا نحن فكنّا مستمتعين بمباهج الحياة ولذائذها غير متقيدين بشيء ولا ملتفتين إلى سرعة زوالها ، لما كان الشياطين يوسوسون في آذاننا ويظهرون الدنيا لهم في صور جميلة جذّابة.
إنّ المقصود من كلمة «أجل» هو نهاية العمر لأنّ «الأجل» كثيراً ما استعمل في القرآن بهذا المعنى.
غير أنّ الله يخاطب التابعين والمتبوعين الفاسدين والمفسدين جميعاً : (قَالَ النَّارُ مَثْوَيكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ).
وفي الختام تقول الآية : (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) فعقابه مبني على حساب دقيق ، وكذلك عفوه ، لأنّه عالم بمن يستحقهما.
الآية التالية تشير إلى سنّة إلهية ثابتة بشأن هؤلاء الأشخاص ، وتقرر أنّ هؤلاء الطغاة والظالمين سيكون وضعهم في الآخرة كما كانوا عليه في الدنيا يجر بعضهم بعضاً نحو التهلكة وسوء المصير والانحراف : (وَكَذلِكَ نُوَلّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وكما ذكرنا في البحوث الخاصة بالمعاد فإنّ يوم القيامة مشهد ردود الفعل في صور مكبرة ، وما يوجد هناك إنعكاس عن أعمالنا في هذه الدنيا.
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (١٣٢)
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
