ثم تشير إلى أثر نزول الأمطار البارز : (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْءٍ).
المقصود من (نَبَاتَ كُلّ شَىْءٍ) هو كل أنواع النباتات وأصنافها التي تسقى من ماء واحد ، وتنبت في أرض واحدة وتتغذّى من تربة واحدة ، وأنّه لمن العجيب أنّ الله تعالى يخرج من أرض واحدة وماء واحد الغذاء الذي يحتاجه كل هؤلاء.
والأعجب من كل هذا أنّ نباتات الصحراء واليابسة ليست وحدها التي تنمو ببركة ماء المطر ، بل إنّ النباتات المائية الصغيرة التي تطفو على سطح البحر وتكون غذاء للأسماك تنمو بأشعة الشمس وقطرات المطر.
ثم تشرح الآية ذلك وتضرب مثلاً ببعض النباتات التي تنمو بفضل الماء ، فتذكر أنّ الله يخرج بالماء سيقان النباتات الخضر من الأرض ، ومن تلك الحبّة الصلبة يخلق الساق الأخضر الطري اللطيف الجميل بشكل يعجب الناظرين : (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا) (١).
ومن ذلك الساق الأخضر أخرجناالحبّ متراصفاً منظماً : (نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا) (٢).
وكذلك بالماء نخرج من النخل طلعاً مغلقاً ، ثم يتشقق فتخرج الاعذاق بخيوطها الرفيعة الجميلة تحمل حبّات التمر ، فتتدلى من ثقلها : (وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ).
«الطلع» : هو عذق التمر قبل أن ينفتح غلافه الأخضر ، وإذ ينفتح الطلع تخرج منه أغصان العذق الرفيعة ، وهي القنوان ومفردها قنو. و «دانية» : أي قريبة ، وقد يكون ذلك إشارة إلى قرب أغصان العذق من بعضها ، أو إلى أنّها تميل نحو الأرض لثقلها.
وكذلك بساتين فيها أنواع الأثمار والفواكه : (وَجَنَّاتٍ مّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ).
ثم تشير الآية إلى واحدة اخرى من روائع الخلق في هذه الأشجار والأثمار ، فتقول : (مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ).
إنّ شجرتي الرمان والزيتون متشابهتان من حيث الشكل الخارجي وتكوين الأغصان وهيئة الأوراق تشابهاً كبيراً ، مع أنّهما من حيث الثمر وطعمه وفوائده مختلفتان ، ففي الزيتون مادة زيتية قوية الأثر ، وفي الرمان مادة حامضية أو سكرية ، فهما متباينان تماماً ، ومع ذلك فقد تزرع الشجرتان في أرض واحدة ، وتشربان من ماء واحد ، فهما متشابهتان وغير متشابهتين في آن واحد.
__________________
(١) كلمة «أخضر» تشمل كل أخضر في النبات ، حتّى براعم الأشجار ، ولكن بما إنّها متبوعة مباشرة بالحب المتراكب فالمقصود في الآية هو زراعة الحبوب.
(٢) «المتراكب» : من الركوب وما ركب بعضه بعضاً ، وأكثر الحبوب بهذا الشكل.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
