هاتان الآيتان تتابعان دلائل التوحيد ومعرفة الله ، وللوصول إلى هذا الهدف يأخذ القرآن بيد الإنسان ويسيح به في آفاق العالم البعيدة وقد يسير به في داخل ذاته ويبيّن له آثار الله في جسمه وروحه ، فيتيح له أن يرى الله في كل مكان. فيبدأ بالقول : (وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ). أي إنّكم ، على اختلاف ملامحكم وأذواقكم وأفكاركم والتباين الكبير في مختلف جوانب حياتكم ، قد خلقتم من فرد واحد ، وهذا دليل على منتهى عظمة الخالق وقدرته التي أوجدت من المثال الأوّل كل هذه الوجوه المتباينة.
ثم يقول : إنّ فريقاً من البشر «مستقر» وفريقاً آخر «مستودع» (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ).
«المستقر» : أصله من «القُر» (بضم القاف) بمعنى البرد ، ويقتضي السكون والتوقف عن الحركة ، فمعنى «مستقر» هو الثابت المكين.
و «مستودع» : من «ودع» بمعنى ترك ، كما تستعمل بمعنى غير المستقر ، والوديعة هي التي يجب أن تترك عند من أودعت عنده لتعود إلى صاحبها.
يتّضح من هذا الكلام أنّ الآية تعني أنّ الناس بعض «مستقر» أي ثابت ، وبعض «مستودع» أي غير ثابت. يحتمل أن يكون هذان التعبيران إشارة إلى الجزئين الأولين في تركيب نطفة الإنسان ، إنّ النطفة تتركب من جزئين : الأوّل هو «البويضة» من الانثى ، والثاني هو «الحيمن» أو «المني» من الذكر ، فالبويضة في رحم الانثى تكاد تكون مستقر ولكن حيمن الذكر حيوان حي يتحرك بسرعة نحوها ، وما أن يصل أوّل حيمن إلى البويضة حتى يمتزج بها و «يخصبها» ويصد (الحيامن) الاخرى ، ومن هذين الجزئين تتكون بذرة الإنسان الأولى.
وفي ختام الآية يعود فيقول : (قَدْ فَصَّلْنَا الْأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ).
الآية الثانية هي آخر آية في هذه المجموعة التي تكشف لنا عن عجائب عالم الخلق وتهدينا إلى معرفة الله بمعرفة مخلوقاته. في البداية تشير الآية إلى واحدة من أهم نعم الله التي يمكن أن تعتبر النعمة الام وأصل النعم الاخرى ، وهي ظهور النباتات ونموها بفضل النعمة التي نزلت من السماء : (وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً).
وإنّما قال (من السماء) لأنّ سماء كل شيء أعلاه ، فكل ما في الأرض من مياه العيون والآبار والأنهار والقنوات وغيرها منشؤها الأمطار من السماء ، وقلّة الأمطار تؤثّر في كمية المياه في تلك المصادر كلها ، وإذا استمر الجفاف جفّت تلك المنابع ، أيضاً.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
