ورجعنا معها ، حيث إنّ فيها اناساً يعرفونك وتعرفهم ، وبمقدورك أن تسألهم عن حقيقة الحال وواقعها (وَالْعِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا) (١). وفي كل الأحوال كن على ثقة بأنّنا صادقون ولم نقص عليك سوى الحقيقة والواقع (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).
يستفاد من مجموع هذه الكلمات والحوار الذي دار بين الأولاد والأب أنّ قضية سرقة بنيامين كانت قد شاعت في مصر ، وأنّ جميع الناس علموا بأنّ أحد أفراد العير والقافلة القادمة من كنعان حاول سرقة صواع الملك ، لكن موظفي الملك تمكّنوا بيقظتهم من العثور عليها والقبض على سارقها.
(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (٨٦)
يعقوب والألطاف الإلهية : وأخيراً غادروا مصر متّجهين إلى كنعان في حين تخلف أخواهم الكبير والصغير ، ووصلوا إلى بيتهم منهوكي القوى وذهبوا لمقابلة أبيهم ، وحينما رأى الأب الحزن والألم مستولياً على وجوههم (خلافاً للسفرة السابقة والتي كانوا فيها في غاية الفرح) علم أنّهم يحملون إليه أخباراً محزنة وخاصه حينما إفتقد بينهم بنيامين وأخاه الأكبر ، وحينما أخبروه عن الواقعة بالتفصيل ، إستولى عليه الغضب وقال مخاطباً إيّاهم بنفس العبارة التي خاطبهم بها حينما أرادوا أن يشرحوا له خديعتهم مع يوسف (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا). أي : إنّ أهواءكم الشيطانية هي التي إستولت عليكم وزيّنت لكم الأمر بهذه الصورة التي أنتم تصفونه.
لكن بعد هذا العتاب المليء بالحزن والأسى رجع يعقوب إلى قرارة نفسه وقال : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ). أي : أنّني سوف أمسك بزمام نفسي ، ولا أسمح لها بأن تطغى عليّ بل أصبر صبراً
__________________
(١) «عير» : تعني الجماعة التي تصحب معها الإبل والدواب المحمّلة بالغذاء ، أي يطلق على المجموع «عير» فعلى هذا يكون السؤال منهم ممكناً لأنّ الكلمة تشمل الأشخاص أيضاً ولا حاجة للتقدير.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
