الشهوات والمعصية والفساد والإنحراف ، فإنّكم قد تمتعتم بنصيبكم كهؤلاء : (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلقِهِمْ).
«الخلاق» : في اللغة بمعنى النصيب والحصة.
ثم تقول بعد ذلك : إنّكم كمن مضى من أمثالكم قد أوغلتم وسلكتم مسلك الإستهزاء والسخرية ، تماماً كهؤلاء : (وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُوا) (١).
ثم تبين الآية عاقبة أعمال المنافقين الماضين لتحذّر المنافقين المعاصرين للنبي صلىاللهعليهوآله وكل منافقي العالم في جملتين :
الاولى : إنّ كل أعمال المنافقين قد ذهبت أدراج الرياح ، في الدنيا والآخرة ، ولم يحصلوا على أيّ نتيجة حسنة ، فقالت : (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا والْأَخِرَةِ).
(الثانية :) إنّ هؤلاء هم الخاسرون الحقيقيون بما عملوه من الأعمال السيئة : (وَأُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
إنّ هؤلاء المنافقين يمكن أن يستفيدوا ويحققوا بعض المكاسب والإمتيازات من أعمال النفاق ، لكن ما يحصلون عليه مؤقت ومحدود ، فإنّنا إذا أمعنّا النظر فسنرى أنّ هؤلاء لم يجنوا من سلوك هذا الطريق شيئاً ، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وبعد هذه الآيات يتحول الحديث من المنافقين ويتوجه إلى النبي صلىاللهعليهوآله ويتبع اسلول الإستفهام الإنكاري ، فتقول الآية : (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ) (٢).
إنّ هذه الحوادث المرعبة تهز وجدان وأحاسيس كل إنسان إذا امتلك أدنى إحساس وشعور عند مطالعتها وتحقيقها.
ورغم طغيان هؤلاء وتمردّهم فإنّ الله الرؤوف الرحيم لم يحرم هؤلاء من رحمته وعطفه لحظة ، وقد أرسل إليهم الرسل بالآيات البينات لهدايتهم وإنقاذهم من الضلالة إذ (أَتَتْهُمْ
__________________
(١) إنّ جملة «كالذي خاضوا» في الواقع بمعنى : كالذي خاضوا فيه. وبعبارة اخرى ، فإنّها تشبيه لفعل منافقي اليوم بفعل المنافقين السابقين ، كما شبهت الجملة السابقة استفادة هؤلاء من النعم والمواهب الإلهية في طريق الشهوات كالسابقين منهم ، وعلى هذا فإنّ هذا التشبيه ليس تشبيه شخص بشخص لنضطر إلى أن نجعل (الذي) بمعنى (الذين) أي المفرد بمعنى الجمع ، بل هو تشبيه عمل بعمل.
(٢) «المؤتفكات» : مأخوذة من مادة الإئتفاك ، بمعنى انقلاب الأسفل إلى الأعلى وبالعكس ، وهي إشارة إلى مدن قوم لوط التي قلب عاليها سافلها نتيجة الزلزلة.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
