فهذه الآية واحدة من أبلغ الآيات والتعابير التي يسوقها القرآن في وصف المنافقين ، وبيان هلعهم وخوفهم وبغضهم إخوانهم المؤمنين ، بحيث لو كان لهم سبيل للفرار من المؤمنين ، ولو على قمم الجبال أو تحت الأرض ، لَولّوا إليه وهم يجمحون ، ولكن ما عسى أن يفعلوا مع الروابط التي تربطهم معكم من القبيلة والأموال والثروة ، كل ذلك يضطرهم إلى البقاء على رغم أنوفهم.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ) (٥٩)
سبب النّزول
في تفسير الدرّ المنثور عن أبي سعيد الخدري قال : بينما النبي صلىاللهعليهوآله يقسم قسماً ـ وقال ابن عباس : كانت غنائم هوازن يوم حنين ـ إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله. فقال : «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل». فقال عمر : يا رسول الله إئذن لي فأضرب عنقه! فقال النبي صلىاللهعليهوآله : «دعه فإنّ له أصحاباً يحتقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ...» فنزلت فيهم الآيتان.
التّفسير
الأنانيون السفهاء : في الآية الاولى أعلاه إشارة إلى حالة اخرى من حالات المنافقين ، وهي أنّهم لا يرضون أبداً بنصيبهم. فمتى مُلئت جيوبهم رضوا (عن صاحبهم) ومتى ما اعطوا حقهم وروعي العدل في ايتاء الآخرين حقوقهم سخطوا عليه. لذا فإنّ الآية تقول : (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَاتِ). لكنهم ينظرون إلى منافعهم الخاصة : (فَإِن أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ).
فهؤلاء يرون أنّ النبي صلىاللهعليهوآله غير منصف ولا عادل ، ويتهمونه في تقسيمه المال!
(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَاءَاتهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
