والمقصود من الخسارة ـ هنا ـ الخسارات المادية التي تصيب المؤمنين بدعوة شعيب ، إذ من المسلم عدم عودتهم إلى عقيدة الوثنية ، وعلى هذا الأساس كان يجب أن يخرجوا من بلدهم وديارهم بالقهر ، ويتركوا بيوتهم وأملاكهم.
وعندما وَصَل أمرهم إلى الإصرار على ضلاتهم ، وعلى إضلال غيرهم أيضاً ، ولم يبق أيّ أمل في إيمانهم وهدايتهم ، حلّت بهم العقوبة إلالهية بحكم قانون حسم مادة الفساد ، فأصابهم زلزال رهيب شديد بحيث تهاوى الجميع أجساداً ميتة ، في داخل بيوتهم ومنازلهم (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ).
في الآية اللاحقة شرح القرآن الكريم أبعاد هذا الزلزال العجيب المخيف الرهيب بالعبارة التالية : (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا). أي إنّ الذين كذبوا شعيباً ابيدوا إبادة عجيبة ، وكأنّهم لم يكونوا يسكنون تلك الديار.
وفي ختام الآية يقول : (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ).
وكأنّ هاتين الجملتين جواباً لأقوال معارضي شعيب ، لأنّهم كانوا قد هدّدوا بأن يخرجوه هو وأتباعه في حالة عدم انصرافهم من دين التوحيد إلى الدين السابق ، فقال القرآن : إنّهم ابيدوا كاملة ، وكأنّهم لم يسكنوا في تلك المنازل ، فضلاً عن أن يستطيعوا إخراج غيرهم من البلد.
وفي مقابل قولهم : إنّ أتّباع شعيب يستلزم الخسران ، قال القرآن الكريم : إنّ نتيجة الأمر أثبتت أنّ مخالفة شعيب هي العامل الأصلي في الخسران.
وفي آخر آية ـ من الآيات المبحوثة ـ نقرأ آخر كلام لشعيب مع قومه بعد اعراضه عنهم حيث قال : لقد بلّغت رسالات ربّي ، ونصحتكم بالمقدار الكافي ، ولم آلُ جهداً في إرشادكم : (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسلتِ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ).
ثم قال : (فَكَيْفَءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ). أي لست متأسفاً على مصير الكافرين ، لأنّني قد بذلت كل ما في وسعي لهدايتهم وإرشادهم ، ولكنهم لم يخضعوا للحق ولم يسلّموا ، فكان يجب أن ينتظروا هذا المصير المشؤوم.
(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (٩٥)
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
