الذي هو مخ العبادة وروحها ، يقول أوّلاً : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً).
«التضرع» : في الأصل من مادة «ضَرْع» بمعنى الثدي ، وعلى هذا يكون فعل التضرع بمعنى حلب اللبن من الضرع ، وحيث إنّه عند حلب اللبن تتحرك الأصابع على حلمة الثدي من جهاتها المختلفة استداراً للحليب ، لهذا استعملت هذه الكلمة في من يظهر حركات خاصة إظهاراً للخضوع والتواضع.
وعلى هذا فإنّ الآية المبحوثة ، وعبارة (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا) تحثّنا على أن نقبل على الله بمنتهى الخضوع والخشوع والتواضع ، بل يجب أن تنعكس روح الدعاء في أعماق روح الإنسان ، وعلى جميع أبعاد وجوده.
وأمره تعالى بأن يدعى الله «خفية» وفي السّر ، لأنّه أبعد عن الرياء ، وأقرب إلى الإخلاص ، ولأجل أن يكون الدعاء مقروناً بتمركز الفكر وحضور القلب.
ثمّ قال تعالى في ختام الآية : (إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). أي إنّ الله لا يحب المعتدين.
ولهذه العبارة معنى وسيع يشمل كل نوع من أنواع العدوان والتجاوز ، سواء الصراخ ورفع الصوت عالياً جداً حين الدعاء ، أو التظاهر وممارسة الرياء ، أو التوجه إلى غير الله حين الدعاء.
وفي الآية اللاحقة يشير تعالى إلى حكم هو في الحقيقة شرط من شروط تأثير الدعاء ، إذ قال : (وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلحِهَا).
ولهذا فلا تستجاب أدعية المفسدين والعصاة ، ولا تنتهي إلى أية نتيجة مرجوّة.
والمراد من «الفساد بعد الإصلاح» يمكن أن يكون الإصلاح من الكفر أو الظلم أو كليهما. في تفسير مجمع البيان عن الإمام الباقر عليهالسلام قال : «إنّ الأرض كانت فاسدة فأصلحها الله بنبيّه صلىاللهعليهوآله».
ومرّة اخرى يعود إلى مسألة الدعاء ويذكر شرطاً آخر من شرائطه فيقول : (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا). أي لا تكونوا راضين معجبين بأفعالكم بحيث تظنون أنّه لا توجد في حياتكم أيّة نقطة سوداء ، إذ إنّ هذا الظن هو أحد عوامل التقهقر والسقوط ، كما لا تكونوا يائسين إلى درجة أنّكم لا ترون أنفسكم لائقين للعفو الإلهي ولإجابة الدعاء ، إذ إنّ هذا
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
